و الثالثة ( أن تترك فضول المباح التي يُخشى أن تجر إلى الحرام ) و ذلك جميعًا مضبوط بذلك الضابط و هو أن لا يكون في الفعل أو الترك مفسدة أعظم أو تفويت مصلحة أكبر و سيأتي بيان ذلك و قد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في بيان الورع المشروع المستحب الذي بعث الله به محمدًا صلى الله عليه و سلم يقول 'هو اتقاء ما يُخاف أن يكون سببًا للذم و العذاب عند عدم المعارض الراجح' بهذا القيد.. و يدخل في ذلك أداء الواجبات و المشتبهات التي تشبه الواجب و ترك المحرمات و المشتبهات التي تشبه الحرام و إن أدخلت فيها المكروهات قلت: نخاف أن تكون سببًا للنقص و العذاب و أما الورع الواجب فهو اتقاء ما يكون سببًا للذم و العذاب و هو فعل الواجب و ترك المحرم و الفرق بينهما فيما اشتبه أمن الواجب هو أم ليس منه؟ و ما اشتبه تحريمه أمن المحرم أم ليس منه؟ إذن صار الورع عندنا من حيث الوجوب ينقسم إلى قسمين ورع واجب (و هو ترك الحرام و فعل الواجبات) و ورع مستحب (و هو ثلاث درجات و مراتب) و قد أوضح هذا شيخ الإسلام رحمه الله في موضع آخر حيث قال في الورع عما قد تُخاف عاقبته و هو ما يُعلم تحريمه و ما يُشك في تحريمه و ليس في تركه مفسدة أعظم من فعله يقول 'و كذلك الاحتياط بفعل ما يُشك في وجوبه لكن على هذا الوجه' و قال في موضع آخر 'أما الورع فإنه الإمساك عما قد يضر فإنه من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه و عرضه ' و قال في موضع آخر 'و إنما ذلك عائد إلى ترك المحرمات و المكروهات و فضول المباحات'