قد ذهبت إلى الله فقلت: أريد ليلة أتوب فيها، أو يوما أتوب فيه وأرجع؟ قيل لك: خذ هذا اليوم، خذ هذه الليلة، فجئت إلى الدنيا فما أنت فاعل فيهما، والفعل السيئ الذي نحن فيه اليوم أن يضيع الليلة، وأن يضيع اليوم ثم يرجع إلى الله مرة أخرى فيقول: أخرني يوما، قيل: قد أخرناك فلم تفعل شيئًا.
لذلك يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا المعنى: «صل صلاة مودع» [1] ، وعندما طلبوا من أحدهم أن يصلى بهم إمامًا فقالوا: صل بنا، قال: لا، لا أصلي لكم، قالوا: صل صل، فصلى ثم قال: إن صليت لكم هذه الصلاة، لا أصلي لكم صلاة بعدها، قال: أوَتحدثك نفسك إذا دخلت الصلاة أن تصلي صلاة بعدها؟! هذا طول الأمل، نعوذ بالله من طول الأمل الذي ضيع خير العمل؛ لأنك عندما تدخل الصلاة وتظن أنك ستصلي صلاة بعدها ضاعت عليك هذه الصلاة، انشغلت وخرجت إلى السوق والبيت والمنزل والأولاد والمال وكذا و .... ثم تقول: إن شاء الله في الصلاة التي بعدها سأحاول.
هذه الصلاة ليست صلاة، هذه وسوسة وانشغال، وليست فيها حلاوة إيمان، وإقبال على الله، الصلاة التي بعدها، أما لو دخل هذه الصلاة لذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «صل صلاة مودع» [2] ، صل وأنت مودع بها هذه نهايتك التي ينبغي أن تكون فيها، لذلك إذا أتى الشيطان وقال لك: في العام القادم، قل: «صل صلاة مودع» .
كان محمد أبو حبيب - أحد من السلف - كل يوم إذا أنا مت هذه الليلة يقول لزوجته: فأرسلي إلى فلان يغسلني، وإلى فلان يكفنني، وإلى فلان يقضي كذا، وإلى فلان ... ، فسئلت في ذلك قيل لها: هل رأى رؤية أنه يموت؟ قالت: لا، بل كل ليلة يفعل ذلك.
وكان السلف أيضا يقال لأحدهم: لماذا لا تنام؟ يقول: أخاف أن أُبَيت، يعني يؤخذ غرة، يأخذه الموت فجأة في ليله أو يأخذه على هذا الحال الذي هو فيه.
(1) رواه الإمام أحمد (22987) وابن ماجه في سننه (4171) .
(2) رواه الإمام أحمد (22987) وابن ماجه في سننه (4171) .