الذي يمنع المرء من هذا التجافي وذلك الإيثار هو طول الأمل في الدنيا وعدم اليقين في سرعة الانتقال إلى الله وسرعة الرحيل إلى الله جل وعلا .. وذلك من أهم أسباب خراب الشيطان على المؤمنين، ومن أسباب إخراجهم عن طاعة رب العالمين، بأن يقول له: إن شاء الله في العام القادم ستكون أحسن، وهذه تضيع أولًا على المؤمنين أول ما تضيع سنته هذه؛ فيخرج متكلًا على أنه إن شاء الله في رمضان القادم سيفعل، فتضيع عليه أعماله.
من الذي ضمن لك أنك لن تؤخذ في هذه المدة؟ وهذا الذي ينبغي أن يتفكر المؤمن فيها اليوم، وهي حال ترك الحذر من الموت، يقول: لا لن يموت اليوم، هو شباب: غدًا إن شاء الله سأفعل، إن شاء الله العام القادم سأفعل، من الأسبوع القادم سأبدأ، إن شاء الله من السنة القادمة سأحاول.
لو كان يظن أن ليلته آخر الليالي، وأن يومه آخر الأيام لكان حاله غير هذا الحال،
فلابد وأن يقول: سينتهي من يومه ذلك من كل ما يكون سببا لأن يسود وجهه عند الله تبارك وتعالى، ويختم يومه بالتوبة والإقبال على الله تبارك وتعالى وإصلاح ما كان واستدراك ما يمكن أن يكون من أعمال قد فاتت عليه حتى إذا لاقى الله تبارك وتعالى؛ لعله أن يرضى عنه سبحانه وتعالى لما كان منه ..
فلا يعول المرء على شبابه، على أنه ما زال في العمر بقية وفسحة، وأن هذه الفسحة بعد الشباب إن شاء الله، لا يظن أنه يمكن أن يؤخذ، كما يقول العلماء، فإذا نظر إلى شيوخ مسجده وجدهم عددا قليلا، وكأنه يقول إن الموت في الشباب أسرع من الشيوخ يعني ما عد من الموت لهؤلاء القلة وإنما الشباب هم الذين يذهبون، وأين أصدقاؤك وأصحابك؟ كل ذلك قد طواهم الموت، ووضعوا تحت الثرى، ولم تتأثر بشيء من ذلك.