فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 74

فكان الأمر التالي الذي تواجه به هذه الحالة من الغفلة، بعد أن يرى الله تعالى منك صناعتك في القيام، وأن يرى ما تصنع في قراءة القرآن، أن يرى كذلك أنك من الذاكرين له كثيرا والذاكرات.

لأن هذه الحالة الحسنة مع الله تبارك وتعالى قد ذكرها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} (المنافقون 009) ، فدلت الآية على معنى الخسران، فإذا ما غفل المرء فعلا عن الله تعالى وانشغل عنه إذا به يرى خسران أحواله، يرى الفشل في أحواله، ويرى في أحواله التراجع التقهقر، ويرى فيها انفراط عقده مع الله تبارك وتعالى، ولا يستطيع أن يلم شمل نفسه، ولا أن يجمع قلبه على الله جل وعلا، ولا يستطيع أن يجد ذهنه صافيا مقبلا على الله سبحانه وتعالى يرى قلبه وذهنه قد امتلأ بالأشغال في الدنيا وأرجاسها والمال والولد، وما كان وما يكون والسفر والمذاكرة وكذا وكذا، يجد ذلك كله.

فهذه الحالة من الحالات نهتم بها لأمرين:

الأمر الأول: أن هذا الذكر إنما يحفظ القلب كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذكر الله تعالى: «كرجل خرج العدو في أثره سراعًا حتى إذا أتى إلى حصن حصين حصن نفسه منهم» [1] كذلك المرء يحصن نفسه من الشيطان بذكر الله تعالى فهذا الذكر وإدمانه حتى لو كان شعارا للسان وحلية له فقط، فهذا أخف من أن يكون المرء غافلًا قلبًا ولسانًا عن الله تعالى، وربما من كثرة ذكر اللسان يتواطأ مع القلب حتى يستشعر القلب واللسان معا أن الذكر وحلاوة الذكر، وحلاوة الإقبال على الله تبارك وتعالى فترتفع درجة المؤمن، ويكون ذلك سبب تحصينه الذي يطلبه من الله تعالى كعدو خرج في أثره سراعا حتى إذا أتى إلى حصن حصين حصن نفسه منه.

(1) رواه الإمام الترمذي في سننه (2863) وقال: هذا حديث حسن صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت