- (أُنْزِلَ) بُني الفعل لما لم يسمَّ فاعله للتركيز على حادثة النزول لا على من أَنزله؛ وذلك لتوضيح صورة التعريف بهذا الشهر، أما في قوله تعالى في قوله تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) (الدخان: 3) (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) (القدر: 1) فإن الفاعل - جل في علاه - قد ذُكر تعظيمًا لهذه الليلة قبل التعريف بها؛ لأن المهم في ليلة القدر بيان عظيم مكانتها قبل التعريف بها؛ لأنها مجهولة الوقت على التحديد، وإنما تعظَّم ليجتهد الناس في التماسها وتتبعها.
-ولكن ما الفرق بين"أنزل""نزّل"؟
قيل: العدول عن تعدية الفعل بالهمزة"أنزل"إلى تعديته بالتضعيف"نزّل"؛ لتَقوية معنى الفعل، قال تعالى (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ) (آل عمران: 3) فقوله تعالى (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ) أهمّ من (وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ) للدلالة على أن نزول القرآن عظيم، وأنه أعظم من التوراة والإنجيل.
وقيل: العدول عن تعدية الفعل بالهمزة"أنزل"إلى تعديته بالتضعيف"نزّل"؛ للدلالة على نزوله منجمًا، قال تعالى (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ) (آل عمران: 3) فالقرآن نزل منجمًا، بينما التوراة والإنجيل نزلا دفعة واحدة.
أقول: قد يكون هذين القولين مقبولين في تفسير (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ) ، وكذلك في تفسير قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ ... ) (النساء: 136) ؛ وذلك لورود (نزّل) و (أنزل) في آية واحدة، أو سياق واحد، بينما لا يكون مقبولًا في كل آيات القرآن؛ لقوله تعالى (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا) (الفرقان: 32) فالكفار طلبوا أن ينزل القرآن جملة واحدة بفعل مضعَّف (نُزِّلَ) ، وهذا يردُّ أن التضعيف لتقوية المعنى تعظيمًا للقرآن؛ لأن الكفار لا يعظِّمون القرآن، ويردُّ على أن التضعيف يعني نزول القرآن منجمًا؛ لأنهم طلبوا نزوله جملة واحدة (لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً) .