- (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) جاء استعمال حرف الشرط (إن) الذي يدل على عدم تحقق ما بعده، وهذا بخلاف (إذا) الذي يدل على تحقق ما بعده، وهذا على وجه العموم. وقد يقوم حرف (إن) مقام (إذا) والعكس، وهذا إنما يكون لفائدة بلاغية.
ويُطرح سؤال في هذا المقام: لماذا استُعمل حرف الشرط (إن) الذي يدل على عدم تحقق ما بعده مع أن الخطاب للمؤمنين؟
قيل: جيء في الشرط بـ (إن) ؛ لأن علمهم بفوائد الصيام الدنيوية والأخروية وغيرها من الفوائد من شأنه ألا يكون محققًا لخفائه.
ولكن هناك وجه آخر، ألا ترى معي - حفظك الله ورعاك - أن هذا من أساليب التحفيز؟ ومَثَل هذا الأسلوب كمثل من يخطب في جماعة ليحثهم على أمر، فإن كان الأمر سهلًا ميسورًا يقوم به كل المخاطَبين، قال لهم الخطيب: كما يعلم الجميع أن الشهادتين من أركان الإسلام. بينما إن كان الأمر شديدًا كفض نزاع وقت الفتنة، فإن الخطيب يقول: الفتنة شر وعلينا اجتنابها، فإن علم أحد منكم هذا فعليه أن يلزم بيته.
علمًا بأن كل المخاطَبين يعلمون أن أمر الفتنة شر وأن علينا اجتنابها، ولكن التزام هذا الأمر في ذلك الوقت صعب، فخوطب الجمع على أن هذا العلم غير متحقق عندهم؛ وذلك لتحفيزهم على الأمر الشديد.
ونعود إلى الآية (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ، فالصيام كان اختياريًا، واختيار الصيام في بيئة صحراوية قاسية أمر صعب، أضف إلى هذا أنه أول صيام على مدار شهر كامل يقوم به هؤلاء المكلَّفون، ولذا كانت مخاطبتهم على أن العلم غير متحقق عندهم؛ وذلك تحفيزًا لهم.
ولكن هذه الصعوبة تزول عن هذه القلوب المؤمنة عند فرض الصيام (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ