أما بالنسبة لما ورد عن الصحابة فليس هنالك اتفاق على مدة الإقامة، وأقوى ما استدل به العلماء على تحديد هذه المدة هو ما جاء عن يحيى بن أبي إسحاق عن أنس أنه قال: خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة. قلت: أقمتم بمكة شيئًا؟ قال: أقمنا بها عشرًا. (صحيح البخاري ج1/ص367) وفي (صحيح مسلم ج1/ص481) : خرجنا من المدينة إلى الحج.
"قال الأثرم وسمعت أبا عبد الله يذكر حديث أنس في الإجماع على الإقامة للمسافر، فقال: هو كلام ليس يفقهه كل أحد، وقوله: أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - عشرًا يقصر الصلاة. فقال: قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - لصبح رابعة وخامسة وسادسة وسابعة، ثم قال: وثامنة يوم التروية وتاسعة وعاشرة، فإنما وجه حديث أنس أنه حسب مقام النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة ومنى وإلا فلا وجه له عندي غير هذا" (المغني ج2/ص66) واعتمد الإمام أحمد على رواية جابر المشهورة في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي في الصحيحين وغيرهما من دواوين السنة.
والأصل فيمن أنزل متاعه في مكان أنه أقام فيه، ولا يقصر أو يفطر إلا بدليل، وهذا هو المنهج في تحديد مدة الإقامة التي تنقطع بها أحكام السفر، فمن ذهب إلى أن نية الإقامة أربعًا فأكثر؛ قال ما قال لأن أكثر ما ثبت عنده أربعة أيام، ومن زاد فإنما زاد لأنه قد ثبت عنده الزيادة.
وقد جاء عن ابن عباس أنه قال: أقمنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر تسع عشرة نقصر الصلاة، وقال ابن عباس: ونحن نقصر ما بيننا وبين تسع عشرة، فإذا زدنا أتممنا. (صحيح البخاري ج4/ص1564) قيل في ردِّ دلالة الحديث: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقام ولم يجمع إقامة. وأنت كما ترى أنه لا يوجد دلالة صريحة في الحديث على ما يقولون. ومما يؤيد جواز القصر في هذه المدة ولو أجمع الإقامة هو إطلاق ابن عباس لحكم القصر دون تفريق بين من نوى الإقامة أو لم ينوِ.