وكان ابن عمر وابن عباس:"يصليان ويفطران في أربعة بُرُد فما فوق ذلك"وهذا سند صحيح. ورواه البيهقي في (السنن الكبرى ج3/ص137) عن الليث به.
ومن هذا تعلم الاختلاف الواقع عند الصحابة في تعيين مسافة القصر.
ونعود إلى ما قاله أنس عن قصر الصلاة: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ - شعبة الشاك - صلى ركعتين. (مسلم ج1/ص481)
نلاحظ أن شعبة قد وقع في الشك فقال (ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ) ، ولا يجوز لنا عندئذ أن نبني الأحكام على هذا الشك. فنقول: نأخذ بـ (ثلاثة فراسخ) ؛ لأنه الأحوط، ونبني على ذلك أن المقصود بالمسافة غاية السفر لا ابتداء القصر، والصحيح أن رواية أنس وقع فيها الغموض في أمرين:
الأول: من جهة السؤال.
والثاني: من جهة شك الراوي.
وهذه الرواية المحتملة الغامضة لا يبنى عليها هذا الحكم العظيم، بل لا بد أن يحمل المتشابه المحتمل الغامض على ما هو معروف من رواية أنس بن مالك، والمعروف من رواية أنس هو: المسافة التي يبتدئ منها المسافر القصر لا غاية السفر، وشكُّ شعبة في الأميال أو الفراسخ يُحمل على المعروف من رواية أنس، والمعروف في ابتداء القصر هو ما يقارب ثلاثة أميال؛ لما روى مسلم في صحيحه (ج1/ص480) عن أنس بن مالك أنه قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعًا، وصليت معه العصر بذي الحليفة ركعتين. وذو الحليفة - وهي المعروفة الآن بآبار علي - وتبعد منطقة ذو الحليفة عن آخر بنيان المدينة في زمن الرسول ثلاثة أميال تقريبًا.
ولكن قد يقول قائل: إن ذو الحليفة تبعد عن مسجد النبي ستة أميال؟