الأرض دونما وازع أو رادع، بما أخفاه مؤلفو التوراة من ذكر لليوم الآخر ومتعلّقاته، فالثواب حسب اعتقادهم هو مقدار ما ينالونه من كسب دنيوي بشتى الوسائل والسبل، والعقاب هو مقدار ما يخسرونه من هذا الكسب!! ..
وحتى يُجنّب الله أمّة الإسلام خطر هذا الاعتقاد اقترن ذكر الإيمان بالله بذكر الإيمان باليوم الآخر بصريح اللفظ 26 مرة في القرآن، وتكاد لا تخلو سورة من ذكر متعلّقاته أو التذكير بها، من بعث وحساب وجزاء وما يليه من عقاب وثواب, وانعدام إيمان اليهود باليوم الآخر، أوجد لديهم الصفات السلبية التي تمتعوا بها على مرّ العصور، مثل الحرص على الحياة والجبن والبخل والسعي وراء الكسب المادي وانعدام المبادئ والقيم والصفات البشرية المحمودة.
وللتعويض عما حذفوه من الأصول العقائدية الصحيحة، وللتوفيق ما بين المعتقدين السابقين، طرح مؤلفوا التوراة والتلمود الكثير من الأفكار الإلحادية، كفكرة الملك الإله الرب من نسل داود، الذي سيظهر بلحمه ودمه ليسكن جبل صهيون في القدس ويحكم العالم إلى الأبد، لينفوا بعبارة (إلى الأبد) أي أمل لليهود ليعتقدوا بنهاية الحياة الدنيا، وبوجود حياة أخرى هي التي تتصف بالأبدية، مما أبهم على العامة مصير الروح بعد الموت، فطرحوا حول مصيرها أفكار متضاربة هي أقرب إلى المعتقدات الوثنية منها إلى أي شيء آخر [1] .
والديانة اليهودية هي معتقد اختلط فيه شيء من بقايا مشوّهة لكتب أنبيائهم مع آراء وتفسيرات أحبارهم"التلمود"، ومعتقدات وأساطير وخرافات الأقوام الذين عاشوا فيما بينها على مرّ العصور، ومصدر هذه العقيدة في الأصل هو التوراة.
وفيما بعد السبي البابلي، قام كهنتهم وأحبارهم (حكماؤهم) بتأليف كُتب جمعوا فيها معتقداتهم وآرائهم وشروحهم للتوراة، وقالوا أنها القانون الشفوي، الذي لم يأتِ به موسى عليه السلام مكتوبا، والذي تناقلوه شفاهة عبر الأجيال، وجُمعت هذه المؤلفات فيما سُمّي بالتلمود، والذي يعتبرونه أكثر قُدسية من التوراة نفسها، ولديهما تلمودان أحدهما جُمع في فلسطين عام 400 م وسُميَ تلمود أورشليم، والآخر جُمع في بابل عام 500 م وسُميَ تلمود بابل وهو الأشهر ويقع في 36 مُجلّدا, وقد كان التلمود يُعامل بسرية فيما بين اليهود، وقد تم طبعه في أوروبا في القرون الوسطى، وكلّما اكتشف أمره في الدول الأوربية ُصودر وجمع وحرق، وكان اكتشافه سببا في كثير من حالات الاضطهاد والتعذيب والقتل والنفي لليهود, ومن هذا نخلص
(1) أنظر كتاب"نهاية الولايات المتحدة وإسرائيل ص 167 لخالد عبد الواحد."