ومثل هذه البشارة من كلام شمعون فيما قبلوه ورضوا ترجمته"جاء الله من جبال فاران، وامتلأت السموات والأرض من تسبيحه وتسبيح أمته"ولم يخرج أحد من جبال فاران التي امتلأت السموات والأرض من تسبيحه وتسبيح أمته سوى محمد - صلى الله عليه وسلم -.
ونظير هذا ما نقوله ورضوا ترجمته في نبوة حتقوق"جاء الله من التين، وظهر القدس على جبال فاران، وامتلأت الأرض من تحميد أحمد، وملك بيمينه رقاب الأمم، وأنارت الأرض لنوره، وحملت خيله في البحر"قال ابن قتيبة: وزاد فيه بعض أهل الكتاب"وستنزع في قسيك أعراقا وترتوي السهام بأمرك يا محمد أرتواء"وهذا إفصاح باسمه وصفاته، فإن إدعوا إنه غيره فمن أحمد هذا الذي امتلأت الأرض من تحميده، الذي جاء من جبال فاران فملك رقاب الأمم؟!!
وقوله في الفصل التاسع من السفر الأول من التوراة"إن هاجر لما فارقت سارة وخاطبها الملك فقال يا هاجر من أين أقبلت؟ وإلى أين تريدين؟ فلما شرحت له الحال قال ارجعي فإني سأكثر ذريتك وزرعك حتى لا يحصون، وها أنت تحبلين وتلدين ابنا اسمه إسماعيل؛ لأن الله قد سمع ذلك وخضوعك، وولدك يكون وحش الناس، يده فوق يد الجميع، ويد الكل به، ويكون مسكنه على تخوم جميع إخوته". قال المستخرجون لهذه البشارة: معلوم أن يد بني إسماعيل قبل مبعث محمد - صلى الله عليه وسلم - لم تكن فوق أيدي بني اسحق؛ بل كان في أيدي بني اسحق النبوة والكتاب، وقد دخلوا مصر زمن يوسف مع يعقوب فلم يكن لبني إسماعيل فوقهم يد، ثم خرجوا منها لما بعث موسى وكانوا مع موسى من أعز أهل الأرض ولم يكن لأحد عليهم يد؛ ولذلك كانوا مع يوشع إلى زمن داود وملك سليمان الملك الذي لم يؤت أحدا مثله فلم يكن يد بني إسماعيل عليهم، ثم بعث الله المسيح فكفروا به وكذبوه فدمر عليهم تكذيبهم إياه وزال ملكهم ولم يقم لهم بعده قائمة، وقطعهم الله في الأرض أمما، وكانوا تحت حكم الروم والفرس وقهرهم، ولم يكن يد ولد إسماعيل عليهم في هذا الحال، ولا كانت فوق يد الجميع إلى أن بعث الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - برسالته وأكرمه الله بنبوته فصارت بمبعثه يد بني إسماعيل فوق الجميع، فلم يبق في الأرض سلطان أعز من سلطانهم بحيث قهروا سلطان فارس والروم والترك والديلم، وقهروا اليهود والنصارى والمجوس والصابئة وعباد الأصنام، فظهر بذلك تأويل قوله في التوراة"ويكون يده فوق يد الجميع، ويد الكل"وهذا أمر مستمر إلى آخر الدهر. قالت اليهود: نحن لا ننكر هذا؛ ولكن إن هذه بشارة بملكه وظهوره وقهره لا برسالته ونبوته. قالت المسلمون: الملك ملكان ملك ليس معه نبوة بل ملك جبار متسلط، وملك نفسه نبوة؛ والبشارة لم تقع بالملك الأول؛ ولا سيما أن ادعى صاحبه النبوة والرسالة وهو كاذب مفتر على الله فهو من شر الخلق وأفجرهم وأكفرهم، فهذا لا تقع البشارة بملكه وإنما يقع التحذير من فتنته كما وقع التحذير من فتنة الدجال، بل هذا شر من سنحاريب وبخت نصر والملوك الظلمة الفجرة الذين يكذبون على الله، فالأخبار لا