تكون بشارة، ولا تفرح به هاجر وإبراهيم، ولا بشر أحد بذلك، ولا يكون ذلك اثابة لها من خضوعها وذلها وأن الله قد سمع ذلك ويعظم هذا المولود ويجعله لأمة عظيمة، وهذا عند الجاحدين بمنزلة أن يقال"إنك ستلدين جبارا ظالما طاغيا يقهر الناس بالباطل، ويقتل أولياء الله، ويسبي حريمهم، ويأخذ أموالهم بالباطل، ويبدل أديان الأنبياء، ويكذب على الله، ونحو ذلك فمن حمل هذه البشارة على هذا فهو من أعظم الخلق بهتانا وفرية على الله؛ وليس هذا بمستنكر لأمة الغضب، وقتلة الأنبياء، وقوم البهت."
_ قول داود في الزبور:"سبحوا الله تسبيحا جديدا، وليفرح إسرائيل بخالقه، وبيوت صهيون من أجل أن الله اصطفى له أمته وأعطاه النصر، وسدد الصالحين بالكرامة يسبحون على مضاجعهم، ويكبرون الله بأصوات مرتفعة، بأيديهم سيوف ذات شفرتين، ولينتقم بهم من الأمم الذين لا يعبدونه، يوثقون ملوكهم بالقيود، وأشرافهم بالأغلال"وهذه الصفات إنما تنطبق على محمد وأمته، فهم الذين يكبرون الله بأصواتهم مرتفعة في آذانهم للصلوات الخمس وعلى الأماكن العالية، قال جابر:"كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا علونا كبرنا، وإذا هبطنا سبحنا، فوضعت الصلاة على ذلك"وهم يكبرون الله بأصوات عالية مرتفعة في الآدان، وفي عيد الفطر، وعيد النحر، وفي عشر ذي الحجة، وعقيب الصلوات في أيام منى، وذكر البخاري عن عمر بن الخطاب أنه كان يكبر بمنى فيسمعه أهل المجسد فيكبرون بتكبيره، فيسمعهم أهل الأسواق أيام العشر فيكبران ويكبر الناس بتكبيرها، ويكبرون أيضا على قرابينهم وضحاياهم، وعند رمي الجمار، وعلى الصفا والمروة، وعند محاذاة الحجر الأسود، وفي أدبار الصلوات الخمس، وليس هذا لأحد من الأمم لا أهل الكتاب ولا غيرهم سواهم؛ فإن اليهود يجمعون الناس بالبوق، والنصارى بالناقوس. وأما تكبير الله بأصوات مرتفعة فشعار محمد بن عبد الله وأمته وقوله"بأيديهم سيوف ذات شفرتين"فهي السيوف العربية التي فتح الصحابة بها البلاد، وهي إلى اليوم معروفة لهم وقوله"يسبحون على مضاجعهم"هو نعت للمؤمنين (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم) ومعلوم قطعا أن هذه البشارة لا تنطبق على النصارى ولا تناسبهم؛ فإنهم لا يكبرون الله بأصوات مرتفعة، ولا بأيديهم سيوف ذات شفرتين ينتقم الله بهم من الأمم, والنصارى تعيب من يقاتل الكفار بالسيف؛ وفيهم من يجعل هذا من أسباب التنفير عن محمد - صلى الله عليه وسلم -، ولجهلهم وضلالهم لا يعلمون أن موسى قاتل الكفار، وبعده يوشع بن نون، وبعده داود وسليمان وغيرهم من الأنبياء، وقبلهم إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
_ وقول داود:"من أجل هذا بارك الله عليك إلى الأبد فتقلد أيها الجبار السيف، لأن البهاء لوجهك، والحمد الغالب عليك، أركب كلمة الحق، وسبحت التأله؛ فإن ناموسك وشرائعك مقرونة بهيبة يمينك، وسهامك مسنونة، والأمم يخرون تحتك"وليس متقلد السيف بعد داود من الأنبياء سوى محمد - صلى الله عليه وسلم -، وهو الذي خرت الأمم تحته، وقرنت شرائعه بالهيبة: أما القبول وإما الجزية، وإما السيف وهذا مطابق لقوله - صلى الله عليه وسلم -""