الصفحة 26 من 283

يمكن أحدا أن يدعى أنه بعد المسيح نزل كتاب في شيء من تلك الأرض ولا بعث نبي، فعلم أنه ليس المراد باستعلانه من جبال فاران إلا إرسال محمد - صلى الله عليه وسلم -، وهو سبحانه ذكر هذا في التوراة على ترتيب الزمان، فذكر إنزال التوراة ثم الإنجيل، ثم القرآن وهذه الكتب نور الله وهداه، وقال في الأول:"جاء وظهر"وفي الثاني"أشرق"وفي الثالث"استعلن"فكان مجيء التوراة مثل طلوع الفجر، ونزول الإنجيل مثل إشراق الشمس، ونزول القرآن بمنزلة ظهور الشمس في السماء، ولهذا قال"واستعلن من جبال فاران"فإن محمدا - صلى الله عليه وسلم - ظهر به نور الله وهداه في مشرق الأرض ومغربها أعظم مما ظهر بالكتابين المتقدمين كما يظهر نور الشمس في مشارق الأرض ومغاربها إذا استعلنت وتوسطت السماء؛ ولهذا سماه الله"سراجا منيرا"وسمى الشمس"سراجا وهاجا"والخلق يحتاجون إلى السراج المنير أعظم من حاجتهم إلى السراج الوهاج؛ فإن هذا يحتاجون إليه في وقت دون وقت، وأما السراج المنير فيحتاجون إليه كل وقت وفي كل مكان ليلا ونهارا سرا وعلانية، وقد ذكر الله تعالى هذه الأماكن الثلاثة في قوله:"والتين والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين"فالتين والزيتون هو في الأرض المقدسة التي بعث منها المسيح، وأنزل عليه فيها الإنجيل" (وطور سينين) وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى تكليما وناداه من واديه الأيمن من البقعة المباركة من الشجرة التي فيه، وأقسم (بالبلد الأمين) وهو مكة التي أسكن إبراهيم وإسماعيل وأمه فيه وهو فاران كما تقدم، ولما كان ما في التوراة خبرا عن ذلك أخبر به على الترتيب الزماني، فقدم الأسبق، ثم الذي يليه، وأما القرآن فإنه أقسم بها تعظيما لشأنها وإظهارا لقدرته وآياته وكتبه ورسله، فأقسم بها على وجه التدريج درجة بعد درجة، فبدأ بالعالي، ثم انتقل إلى أعلا منه، ثم أعلا منهما فإن أشرف الكتب القرآن، ثم التوراة، ثم الإنجيل، وكذلك الأنبياء."

_ وهذا الذي ذكره ابن قتيبة وغيره من علماء المسلمين: من تأمل التوراة وجدها ناطقة به صريحة فيه, فإن فيها:"وعد إبراهيم فأخذ الغلام وأخذ خبزا وسقاء من ماء ودفعه إلى هاجر وحمله عليها، وقال لها اذهبي، فانطلقت هاجر، ونفذ الماء الذي كان معها، فطرحت الغلام تحت شجرة، وجلست مقابلته على مقدار رمية الحجر لئلا تبصر الغلام حين يموت، ورفعت صوتها بالبكاء، وسمع الله صوت الغلام حيث هو، فقال لها الملك: قومي فاحملي الغلام وشدي يدك به فإني جاعله لأمة عظيمة، وفتح الله عينيها فبصرت ببئر ماء فسقت الغلام وملأت سقاها، وكان الله مع الغلام فتربي وسكن في برية فاران"فهذا نص التوراة أن إسماعيل ربى وسكن في برية فاران بعد أن كاد يموت من العطش وأن الله سقاه من بئر ماء"وقد علم بالتواتر واتفاق الأمم أن إسماعيل إنما ربي بمكة، وهو وأبوه إبراهيم بنيا البيت، فعلم قطعا أن"فاران"هي أرض مكة."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت