الدولارات لتوفير السيولة, لكن من أين جاءت هذه الأموال .. لم تأت من أموال فائضة كأموال المستثمرين الذين يدفعونها رغبة في الاستثمار, ولا جاءت نتيجة إنتاج سلعة .. بل جاءت من أموال الدولة أي كما يقولون في المثل"من اللحم الحي", أي من الضرائب ورواتب الموظفين والتأمينات والخدمات العامة وما شابه"لأن مجتمعاتهم رأسمالية استثمارية مخصخصة فكل المشروعات في الدولة صناعية كانت أم خدمية أصبحت ملكا للقطاع الخاص, وأهم دور للدولة هو جمع الضرائب والرقابة, والحقيقة أنهم لو جمعوا الضرائب فلا تهمهم الرقابة."
فأنى لهم بحل لقضية تحولت من مشكلة ملموسة إلى مشكلة نفسية ... ؟؟ تلك هي أزمة الائتمان والثقة التي انعدمت بين أصحاب رؤوس الأموال ومؤسسات الاستثمار وشركات التأمين, خاصة بعد أن اكتشفوا كذب الدولة بمؤسساتها, والمثل يقول:"التجارة أمانة".
وإذا علمنا ان العلاقات المالية العالمية متشابكة - فالأشخاص والشركات والبنوك في الدول المختلفة يستثمرون عند بعضهم البعض خاصة العالم الرأسمالي وأذنابه - نكون قد علمنا حجم هذه الأزمة, وأكثرهم غنى أكثرهم استثمارا, وكل دولة تأثرت بالأزمة بقدر اندماجها في النظام الرأسمالي.
هذا جانب من الأزمة المالية العالمية.
وهناك مشكلة أخرى كبيرة وهي مشكلة إنهيار شركات التأمين الأمريكية لأن حيات المجتمعات الغربية مبنية على التأمين كما ذكرنا, وهذا يعني أن تلك الشركات لن تستطيع تأمين البنوك والمصانع والشركات الكبرى لأن هذه المؤسسات تواجه الآن أخطارًا كبيرة بالإفلاس والانهيار وباحتمالات كبيرة - فشركات التأمين يقوم عملها أساسا على نظرية رياضية هي نظرية الاحتمالات - مما يجعل شركات التأمين تحجم عن التأمين عليها ومن ناحية أخرى فإن المستثمريين يخشون من الاستثمار في بنوك ومؤسسات لا يأمنون فيها على أموالهم إذا أفلست وعدم التأمين عليها من ناحية أخرى يحرم شركات التأمين من مبالغ هائلة تحصدها جراء عملية التأمين, وشركات التأمين وتلك البنوك والمؤسسات الخاسرة كلها لن يدفعوا ضرائب للدولة لأنه لا توجد أرباح, وتُحرم الدولة من مبالغ ضرائب هائلة بالاضافة لضرورة تعويضها للمستثمرين وضمان أموالهم بل وضرورة ضخ مبالغ هائلة في تلك المؤسسات والبنوك لضمان دوران عجلة الاقتصاد ولو ببطء والحقيقة أن تلك الأموال التي يضخونها كمن يسكب ماء في بالوعة، لأن الأطراف الأخرى غير متجاوبة، والدائرة غير مغلقة"فالكل يسحب أمواله من جهة والدولة تضخ من جهة أخرى", فكل هذه المؤسسات والمصانع لن تتوفر لهم القروض والاستثمارات لشراء المواد الخام وقطع الغيار ... الخ وكل ضروريات تسيير عجلة الاقتصاد فيتوقف العمل ويتم تسريح عمال وموظفي تلك الشركات والمؤسسات وترتفع نسبة البطالة.