فلما بعث الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - استجاب له ولخلفائه بعده أكثر الأديان طوعا واختيارا, ولم يكره أحدا قط على الدين, وانما كان يقاتل من يحاربه ويقاتله ...
وأما من سالمه وهادنه فلم يقاتله ولم يكرهه على الدخول في دينه امتثالا لامر ربه سبحانه:"لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَي .."وهذا نفي في معنى النهي, أي لا تكرهون أحدا على الدين ...
فمن هادنه لم يقاتله ما دام مقيما على هدنته ولم ينقض عهده, بل أمره الله تعالى أن يفي لهم بعهدهم ما استقاموا له, كما قال تعالى:"فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ..".
ولما قدم المدينة صالح اليهود وأقرهم على دينهم, فلما حاربوه ونقضوا عهده وبدؤوه بالقتال قاتلهم, فمنّ على بعضهم وأجلى بعضهم وقتل بعضهم ... وكذلك لما هادن قريشا عشر سنين لم يبدءهم بقتال حتى بدءوا هم بقتاله ونقضوا عهده, فعند ذلك غزاهم في ديارهم, وكانوا هم يغزونه قبل ذلك, كما قصدوه يوم أحد ويوم الخندق, ويوم بدر ايضا هم جاءوا لقتاله ولو انصرفوا عنه لم يقاتلهم, والمقصود انه - صلى الله عليه وسلم - لم يكره أحدا على الدخول في دينه البتة, وانما دخل الناس في دينه اختيارا وطوعا, فأكثر أهل الارض دخلوا في دعوته لما تبين لهم الهدى وانه رسول الله حقا.
فهؤلاء أهل اليمن كانوا على دين اليهودية أو أكثرهم, كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ لما بعثه الى اليمن:"انك ستأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم اليه شهادة أن لا إله الا الله .."وذكر الحديث, ثم دخلوا في الإسلام من غير رغبة - أي في دنيا - ولا رهبة, وكذلك من أسلم من يهود المدينة وهم جماعة كثيرون غير عبد الله بن سلام, مذكورون في كتب السير والمغازي لم يسلموا رغبة في الدنيا ولا رهبة من السيف بل أسلموا في حال حاجة المسلمين وكثرة أعدائهم, ومحاربة أهل الارض لهم, من غير سوط ولا نوط, بل تحملوا معاداة أقربائهم وحرمانهم نفعهم بالمال والبدن, مع ضعف شوكة المسلمين وقلة ذات ايديهم, فكان أحدهم يعادي أباه وأمه وأهل بيته وعشيرته, ويخرج من الدنيا رغبة في الإسلام لا لرياسة ولا مال بل ينخلع من الرياسة والمال ويتحمل أذى الكفار من ضربهم وشتمهم وصنوف أذاهم ولا يصرفه ذلك عن دينه.
فقد أسلم جمهور أهل الأرض من فرق الكفار ولم يبق إلا الأقل بالنسبة إلى من أسلم, فهؤلاء نصارى الشام كانوا ملء الشام ثم صاروا مسلمين إلا النادر, فصاروا في المسلمين كالشعرة السوداء في الثور الأبيض, وكذلك المجوس كانت أمة لا يحصى عددهم إلا الله, فأطبقوا على الإسلام لم يتخلف منهم إلا النادر, وصارت بلادهم بلاد إسلام, وصار من لم يسلم منهم تحت الجزية والذلة, وكذلك اليهود أسلم أكثرهم ولم يبق منهم إلا شرذمة قليلة مقطعة في البلاد.