فللشعراء ميادين ينسون بها المشقّة والتعب، ولهم ألفاظ تكاد أن تكون سحرًا يغذّون النفس بها عن الشَّغب، إلا ترى تشبيه النّاظم مشي الوعول بمشي الأبكار الحسان اللاتي لم يطمثهنّ انس ولا جان.
قيل: إِنَّه مَرَّ [175ظ] عليّ بن الحسين بن عليّ - رضي الله تعالى عنهم - فِي بَعْضِ طُرْقِ المدينةِ على جاريةٍ حسناء واقفة على بابِ دارِها وبيدِها سبحة، فقال: فاتكةٌ ناسكةٌ، فقالت: [من الكامل]
غُرٌّ حِسانٌ ما هَمْمن بريبةٍ ... كظباء مكةَ صيدُهنَّ حرامُ
وقال الشاعر (1) : ... [من الطويل]
وزندان لَوْ لَمْ يُمْسَكَا بدَمَالجٍ ... لَسَالاَ مِنَ الأكْمَامِ سَيْلَ الجَدَاوِل
وقال أبو الطيب (2) : [من البسيط]
أفْدى ظِباءَ فَلاةٍ ما عَرْفَنَ بها ... مَضْغَ الكَلامِ ولا صَبْغ الحَواجيب
ولا بَرَزْنَ من الحَمَّام مائِلةً ... أوراكهُنُّ صَقيلاتِ العَراقيبَِ
وقال أبو العلاء المعريّ من قصيدة طويلة (3) : [من البسيط]
أبعد حول تناجي الشوق ناجية ... هلاّ ونحن على شعر من الشعر
كم بات حولك من ريم و جارية ... يستحدثناك حسن الدل والحور
وربّ صاحب وشيْ من جأذرها ... وكان يرفل فِي ثوب من الوبر
فالحسن يظهر فِي شيئين رونقه ... بيت من الشعر أو بيت من الشعر
وما أحسن ما قال شهاب في هذا المعنى (4) : [من الطويل]
تَلوحُ فَتَسْتَدْعِي الفِرَاشَ وتَبْسُمُ ... فيَفْتَرُّ ثَغرُ الصُّبْحِ والَّليْلُ مُظلِمُ
وتُبْدِي ثَنايَاهَا لَنا كَنْزَ جَوْهرٍ ... فَتَرْصُدُهَا في فَرْعِهَا وهَوْ أرْقَمُ ... [176و]
وَتَقْضِي فَيمسي السِّحْرُ في غِمْدِ فِتْنَةٍ ... وتَرْنُو فَيُضْحِي مُصْلَتَا وَهْوَ مخذم
إِمَا وَحُبَابٍ وهْوَ ثَغْرٌ مُفَلَّجٌ ... وَجَامِدِ خَمْرٍ وَهْوَ خَدٌّ مُعَنْدَمُ
(1) هو شهاب الدين بن معتوق الموسوي، والبيت في ديوانه: 54.
(2) ديوان أبي الطيب: 635.
(3) شروح سقط الزند 1/ 121 - 129.
(4) ديوان شهاب الدين بن معتوق الموسوي:58.