نواصل - أيها الأحباب - مع الدروس والعبر، هناك مواقف شجاعة تسجل في التاريخ، لما أراد ابن الأحمر أن يسلم غرناطة، وزين له أصحابه وحاشيته أنه لن يستطيع أن يبقى في مقاومة النصارى، جاء أحد المقربين وأحد رجاله وقال له - وهو يسمى موسى بن أبي غسان - وقال له: لا تسلموا غرناطة، دعونا نجاهد في سبيل الله، دعونا نقاتل في سبيل الله، ولكن صيحته ذهبت سدى، وقال له، قال لابن الأحمر رجاله .. قال رجال ابن الأحمر: إن النصارى عرضوا علينا معاهدة، فيها حفظ لكيان المسلمين، ولن يؤت المسلمون بأذى ولا بشر. فهيا نسلم الأندلس، حتى نحافظ على ما بقي لنا بالعهود والشروط، فقال لهم هذا الرجل: إياكم أن تركنوا إلى النصارى، إياكم أن تثقوا في النصارى، لكنهم رفضوا أن يستمعوا إليه، استمعوا إلى ماذا؟
قال لما أعيته الحيلة: لا تخدعوا أنفسكم، ولا تظنوا أن النصارى سيوفون بعهدهم، ولا تركنوا إلى شهامة ملكهم، إن الموت أقل ما نخشى، فأمامنا نهب مدننا"هو يذكر لهم ما حدث بالأندلس في مدن الأندلس:"فأمامنا نهب مدننا وتدميرها، وتدنيس مساجدنا، وتخريب بيوتنا، وهتك نسائنا وبناتنا، وأمامنا الجور الفاحش والتعصب الوحشي والسياط والأغلال، وأمامنا السجون والأنطاق والمحارق"وكأنه يقرأ التاريخ - رحمه الله - وكأنه يقرأ ما حدث بعده بسنوات معدودة:"وأمامنا السياط والأغلال، وأمامنا السجون والأنطاق والمحارق"هذا ما سوف نعاني، أما أنا فوالله لن أراه، ثم ركب فرسه، وتقلد سيفه، وجاهد رحمه الله وحيدا حتى قتل."
قال الشاعر، معبرا عن هذه القصة المعبرة على لسان موسى بن أبي غسان أما أنا قال:
أنا لن أقر وثيقة ... فرضت وأخضع للعدا
ما كان عذري إن جبنت ... وخفت أسباب الردى
والموت حق في الرقاب ... أطال أم قصر المدى
إنى رسمت نهايتي ... بيدي ولن أترددا
كنت الحسام لأمتي ... واليوم للوطن الفدا
أنا لن أعيش العمر عبـ ... دًا بل سأقضي سيدا