قصر عارف -معتم كالعادة في الشتاء. صرنا في الأرض بين بيتنا المغطى بالتوتياء وبين القصر. سلّمت كل واحد منهم مجرفة وقلت: (احفروا) نظروا إليَّ بقلق إلا نجيب خلع ثيابه وبقي بالسروال. انشدّ نظري إلى عضلاته القوية التي صنعتها بتعبي، وعمري صرخ بفرح: (هنا كنز جدي؟ أجل كنز يا بابا) . ردّت نورا: (انتظرنا سنين.... دعونا نحضر في الغد يا بابا) .
قالت بديعة بخبث: (سنعيش أثرياء لولد ولدنا) .
تأملتهم تأمل الوداع، قبّلت نورا، عانقت نجيب، وقلت لهم بابتسامة شاحبة: (ألا ترغبون بصورة تذكارية قبل أن يظهر الكنز؟) .
اصطفّ ثلاثتهم على حافة الحفرة وبثلاث ضغطات على الزناد تراءت أمامي صورة مذهلة. ثلاث طلقات أنهت ثلاثة من البشر.
أخذت المجرفة ورددت فوق جثثهم التراب حتى سكنت الأرض من ألم الحفر، رجعت تجاعيدها كما كانت. زرعت فوق تربتهم شجرة صارت تكبر لتثمر زيتونًا أحمر.
أجبني أيها البغل، ولو بشخرة... أسرع قليلًا... حا.. حا.
(ما... زوت... مازو...ت) .
الكرسي
أيقظتني عصافير الدوري فوق غصون شجرة التوت اليابسة خلف نافذتي. أخذت نفسًا قويًا حتى امتلأ صدري بهواء الفجر. الوقت مازال باكرًا رجعت للنوم ثانية لأنهض عند الظهيرة شعرت بالاشمئزاز لأن أقول دائمًا (أبشع منظر في الدنيا صورة رجل نائم حتى الظهر. وأحلى ما في الدنيا.. طفل نائم وقت الظهر) . وقفت طويلًا أمام المرآة معجبة بنفسي. ومن خلفي الشجرة الميتة تظهر في المرآة أيضًا، جسدي سيهترئ. ولكل شيء مصير. كل المناظر الرومانسية في الغرفة تأمرني أن أبدأ بالشعور الجميل. ولكن الوقت طويل ومازال لدي وقت كاف لحب عظيم.
فنجان القهوة الصباحي لم يشبع رغبتي في احتساء فنجان آخر في الهواء الطلق اليوم عطلتي في الجامعة. اتصلت بصديقتي الوحيدة ودعوتها للفطور في مكاننا المعتاد في مقصف يطل على البحر لكنها اعتذرت بسبب سفر زوجها المفاجئ.
ركبت سيارة أجرة. أرقب بعيون ذابلة الناس بأعمارهم المختلفة يهرولون في مسيرة دائمة عشوائية لا تنتهي. لوائح الإعلان الصارخة بكلمات كبيرة.. كل لائحة تجارية وطبية تصرخ بسكان الأرصفة أن يدفعوا.