وقبل أن يأتي المساء، اشتريت (الشعبيات، وأساور الست، والقضامة) . مزّق شرودي، وفرحي لا تسعه السماء، صوت امرأة تتأوه وتئن دخلت الزقاق، وأمام باب خشبي مفتوح تمددت فتاة منفوخة البطن تلهث بسرعة وتصرخ. رميت الكيس جانبًا ولم يمر وقت طويل حتى صارت في المشفى. أخذوا مني هويتي. وبعد ساعتين خرج من مغارتها السوداء طفل اتهمتني بأبوته. كادت تقبّل حذائي المهترئ وهي تستغيث. اعترضت وصرخت فأنا لدي أولاد لهم سمعتهم في البلد. وصل كلام الطبيب إلى أذني فكان له وقع الصاعقة حين ابتسم وأردف على كتفي (اشكر ربك يا رجل، التحليل الطبي يبشّر بالخير... أنت لا تنجب أبدًا) .
لطمت وجهي بكل ما أملك من قوة حتى احمر ثم ازرقت مساحاته"نورا ليست ابنتي ونجيب لا يحمل شيئًا من جسدي ولا نقطة مني... نجيب الملازم ابن زنا.. ابن حرام؟!"
قررت أن آخذهم في ذلك المساء من شهر كانون في رحلة نهايتها العالم الآخر، العالم الأسفل.
أمرتهم أن يحضّروا أنفسهم للذهاب إلى القرية. فقالت نورا ببلادة: (اليوم... الثلاثاء، يومان ليوم الجمعة يا بابا...) لأول مرة أشعر بقزازة تلك الكلمة، كلمة بابا لها نغم كحشرجة الصراصير المنزلية في خشب عفن.
استأجرت سيارة أجرة... طوال الطريق كنت صامتًا لساني له قساوة وثقل الحجر حين سمعت (بديعة) الخائنة تخطط لمستقبل الأولاد، ستبيع أساورها الذهبية وتشتري بثمنها بقرةً هولنديةً حلوبًا، أو ربما بقرتين. و (نورا) من الخلف تشبك ذراعيها حول عنقي شعرت باختناق أحد المحكومين بالإعدام شنقًا تطالبني ببضعة أوراق نقدية لتشتري حقيبة تناسبها كطبيبة.
أما (نجيب) فله رأي آخر مخالف لرأي أمه، فهو لايطيق عيشة القرية ولا الأرض. يفضل أن نبيعها ونبدّلها بـ (شاليه) على الشاطئ يدر علينا المال الكثير دون تعب الحراثة والهم في انتظار موسم يمكن أن يثمر أو لا والكلّ اتفق على أني كبرت ويجب أن أستريح.
خبأت دموعي الحديدية... آه... البكاء بصوت مرتفع في تلك اللحظة أمنية سال أنفي... سال قلبي... انفتحت كل المسامات في جلدي حتى أغرقني العرق.
(نورا) تمازح أخاها، فيضربها شادًا شعرها، تستنجد بي، لم أنطق لأني لو نطقت بكلمة واحدة ستلغيها الغصة. نظرت إلى المطر باحتقار وكفرت بالحياة.