بدت الوردة الجورية أكثر احمرارًا، والورق القاتم أكثر اخضرارًا برغم قدوم تشرين الذي ينذر بالمطر. وكيف تحفظ القصيدة من زخات المطر. وهي التي كانت تنتظر المطر وتقدّس المطر.
على عادتها تنظف (الجنينة) من الورق الأصفر المبلل.. وبدأت تلعب لعبة النسيان كي تنسى رامي مرة أخرى وتعيش طبيعية كبقية البنات.
هكذا كانت تفكر وهي تنقيّ الورق الأصفر الذابل حول ساق الحبقة في الأصيص الذي أخذ مكانها من أيام طويلة. ضغطت الورق وعملت منه كرة معجونة، شيء وخزها كالإبرة، فتحت أناملها ونثرت الورق في كفها، نفخت فيه بقوة، فتطاير في أرجاء الشرفة. ولمع شيء صغير من الذهب، صار صدرها يعلو ويعلو، أنفاسها ساخنة كأنها خارجة من وعاء مغلي، حملت نفسها بضعف حاملة الصليب الذي وضعه في أصيصها وفوق سريرها كشفت عن صدرها الأيسر ووضعته فوق الصليب المرسوم بالأزرق.. في كل الأزمان كان يلحق بها رامي يلامسها بسحر خفي ثم يختفي، رامي مثل رجل في أسطورة يونانية لايمكن أن تدوم رغم بطولته في الحب والجمال.. رامي خرج وهي صارت تموت...
إطفاء رجل
أقبل المساء، كل واحد في البلدة عاد إلى عتمته، ينفض ماتبقى في سراديبه من رماد يومه يختلق المشاجرة اختلاقًا مع الأم، مع الأخت، الابن.. فجأة يمزق الهدوء ضحكات تخرج من كل نافذة.
اجتمع الرجال في اليوم الثاني بمافيهم العجائز داخل المقهى يعيدون ما سمعوه البارحة متناسين همومهم وديونهم، ومشاكلهم مع البلدية لإصلاح الشوارع، وتبديل الأضواء التالفة.
تناسوا الأخبار المحلية والعالمية والنشرة الجوية. منشغلين بحادثة الحمار الأوروبي الذي أذيع نبأه البارحة في التلفزيون وقت اجتماع الأهالي بانتظار المسلسل الذي يضم في حلقاته كبار النجوم.
ظن البعض أن الخبر على رمته مزحة، فما أكثر الطرائف التي يكون بطلها الحمار، وخصوصًا في تلك الحارات الضيقة.
قال رجل: (ياجماعة... واللّه الأجانب فهمانين، بيهتموا حتى بالحيوانات...)
قال عجوز وهو ينفخ من صدره كمية من دخان النرجيلة:
- (يا عمي.. ياهيك القضاة.. يابلا.. يرحم أبوه..)
رد ثالث وهو أستاذ محاولًا أن يصبغ كلامه بمسحة تدل على ثقافته:
(العربي عنا بطبعه عصبي.. مابينطر ع القاضي إذا كانت المشكلة بتتعلق بكلب أوحمار.. إيده والضرب) .
انتظر عبود وهو أصغرهم سنًا حتى فرغ كل واحد مما عنده: