فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 52

تأوهت سعدى: (آخ... الأرض تضجر من تحتي.. تمضي أيام لا أكلم فيها أحدًا سوى هذا القط الجاثم.. لم يبق إلاّنا من كل تلك العائلة، إنه من رائحة سليمان، آخ تيبّست أقدامي من القعود الطويل، كنت كالثور أحمل شوالات الحنطة.. كالرجال تمامًا، فساتيني معلقة من سنين لم تتحرك من مكانها، لم تلبس ولم تغسل.

حملت حقيبتي ورجعت، حتى الحمار الأسود مات، مات سليمان ومات من بعده جيش من القطط وقبيلة من الدجاجات.

قبر سليمان صغير تحت ظل شجرة خرنوب أزرة، جذعاها ضخمان كأخوين يتقاطعان على شكل حرف الطاء أحدهما أخضر والآخر يابس فاستحضرني قول شاعر وأنا أسير مبتعدة لا أرى بسبب اختلاط الكحل بدمعي سوى جنازة أخرى تشيع فوق جثمان طفولتي:

أكل التراب محاسني فنسيتكم

وحجبت عن أهلي وأترابي

عليكم مني السلام تقطعّت

مني ومنكم خلّة الأحباب

حسن وكاتارينا

خرج صوت من المطبخ، حان الوقت للفطور، صاروا في حلقة حول طاولة السفرة يزن يبتلع الطعام كسائل لا يحتاج إلى هضم، الأم منشغلة بإملاء صحنه كلما فرغ، أشعل الأب سيجارة، حدّق بملامح يزن (عيونه الغامقة، عرض أكتافه، اللحية والشارب الأسود المتصل بها عند التقاء الشفتين) أخيرًا وضع ملعقته جانبًا بعد جهد من المضغ والبلع. قال الأب بعد شرود: (ذكرتني بجدك... اللّه يرحمه، كان مثلك يحب الأكل) .. وأعاد عليهم الحكاية كل سنة ويحكيها بفخر ونشوة كمناسبة وطنية. وهو يستحق، سجّل فوق السنة ذابت في التراب حكاية بطولة يبدأ بسردها بعد مقدمة فلسفية.

قرية أفلست أرضها، قلّ القمح، والسكر، وصودر الطحين والجوع كافر. لكن ممارسة الكفر مكبوحة. وكيف يجد اللص مايلصّه. حتى الثرثرة عن تلك وذاك بطلت لتوفير أكبر قدر من الحريرات. يبحثون في كل زاوية عن شيء يأكلونه من خشاش الأرض.

وحسن لم يشبع ولو مرة من كمشة الحنطة حصته اليومية التي يأكلها مسلوقة مع رشة من الملح. ليقضمها بشره. يقضي وقتًا يفتش بين الأعشاب البرية الرطبة عن الهندباء، والبقلة، مع رغيف خبز أسمر من الشعير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت