فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 52

أدهشتني قصتها حين سردتها أيمكن أن يكون لتلك المرأة الجبلية أن تسافر من حلب إلى لبنان يوم كانت صبيّة فقط لتجعل من شعرها المسترسل شعرًا مجعدًا؟‍! قالت إن الحياة جميلة وأنها لا تريد أن تموت الآن مع أن أولاد أختها يكرهون خدمتها ولو مرة في الشهر. (اللّه لا يقطع بأحد.. يشهد اللّه وحق هذا المقام الكبير أني لم أشحذ يومًا لكني في يومًا جلست بجانب غجرية أحدثها وتحدثني ضحكنا كثيرًا، فجأة وجدت نفسي في سيارة عسكرية وضعت بعدها في(الكركون) بكيت كنت أجمل عيون سحرت ذاك الشرطي الأسمر الذي ساعدني -وضحكت حينها فبانت لثتها السوداء وثلاث أسنان واحدة في الأعلى واثنتين في الأسفل- الجمارك على الحدود يسموني ذات العيون العسلية. أحبني ذالك الشرطي جلب لي رغيفًا كاملًا من الخبز وصحن حمص مع فحل من البصل، واتصل بأختي كي تأتي من سورية لمساعدتي فلم تفعل. صحيحًا كنت غسّالة وأفضل غسّالة في صيدا لكني دللت نفسي، لبست الذهب، واقتنيت الجوخ والحرير والجلد وأحمر الشفاه. عملت عند باشا، وعند أرملة مقعدة سنوات وفي بيروت عرفت الحياة رقصت.. شربت، ودخنت الدخان الأمريكي).

في تلك اللحظة أخذت لها صورة فصرخت:

-لمعت الدنيا لكأننا في حزيران.

-إنها صورة للذكرى يا جدتي.

-جدتك؟!

-آسفة... يا خالة.. كم عمرك ياخالة؟

-سبعون، ستون، خمسون اللّه أعلم.. لم يسجلوني على عمري.

والعجيب أنها تحب الدجاج من الطفولة. حدثتني عن صورة مع دجاجات في حظيرة الباشا.

لم يبق من الدجاجات ولا واحدة، أكلتها الضباع كلها. بعد هجرة القطط تجرأت الوحوش الصغيرة، وصارت تقترب من الباب وتنظر. ضحكت سعدى بمرارة (لو كان لحمي طريًا لأكلتني أيضًا) .

مرة تأخر سليمان على غير العادة، فسهرت مع قططه حتى الثامنة مساءً، وحين سمعت صوت ركلات على الحصى، ظنته الثعلب، أمسكت بحجر وزمجرت القطط.

-أجيت ياخيي سليمان.. تعوّقت.

-أنا سليمان بذاتو.

ثم أخرج من جيوبه الطعام كالعادة. كان جائعًا وهو يرقب العائلة كلها وهي تنهي الطعام ليلحس ماتبقى من الزفرة على أصابعه. قبل أن يموت طلب أن يرى (رضيوان) صديقه وحقق اللّه حلمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت