الكل يظن أن سليمان وسعدى بائسان لأنهما لم يتزوجا أو يرزقا بأولاد. سليمان يشحذ ليستمر في الحياة.. لكن القدر أقوى من الاستمرار... لقد مات سليمان حين انحنى ظهره وصار رأسه قريبًا جدًا من الأرض حتى صار يتكئ على عصًا رفيعة لكنها قوية تسند جسده الخفيف. بقدر ماكان ظهره قريبًا من الأرض كان دعاؤه قريبًا من السماء. القرويون قالوا جميعًا"اللّه يرحمه... ارتاح سليمان وتعذبت عشرات القطط من بعده وقبل أن تتشرد في الأحراش اجتمعت كلها في ساحة القرية وصارت تنوء وتبكي حتى حاربوها بالحجارة الصغيرة... لم يبق في القرية قط واحد يعتني به إنهم مكتفون بإطعام الدجاج والبط والأبقار تلك الذكرى جعلتني في تلك القرية أمليت عيوني بمنظر الطريق، غرفة سعدى لم تتغير الحجارة كما هي بيضاء كبيض الدجاجات... أكيد صار لفراخها أحفاد فكرت بذلك وأنا أمشي صوت خرير (العين) يُسمع، يصل إلى غرفة سعدى، غرفة عتيقة واسعة، نوافذها من حديد، لايرى منها لكثرة العشب البري، وشتلات الديس العملاقة."
شعرت بوجع في نفسي حين رأيت سعدى وقد أهلكها الدهر فوق سرير قديم من موديل أيامنا هذه له أربعة أعمدة طويلة. فوق الغطاء الذي تجلس فوقه حبات من البصل الجاف وصحون من الألمنيوم، راديو وسخ قديم وأشياء لم أعرف ماهي.
صرخت عندما وقفت في الباب (ضيوف في غرفتي أشم رائحة عطر نسائية.. من بالباب تفضلي) وخبطت على السرير مشيرة لي كي أجلس قربها كأن الغطاء لم يغسل منذ أعوام طويلة، كرسي واحد في الغرفة لكنه غير صالح للجلوس عليه لأنه بلا قاعدة.
لم يكن أمامي سوى القعود عليه شاعرة بنوبة قريبة من الإقياء لم أتوقع من القدر أن يكون قاسيًا لدرجة أن يجعل من سعدى امرأة ذابلة لحد اليباس، مقعدة وعمياء تأكل البكتريا عينيها العسليتين فستانها مفتوح يظهر منه ثديان متباعدان مهترئان.
تحسست يدي ببله فوقعت يدها على أساوري. قالت بغصّة: (كنت كالملكة يا حسرة على شبابي) .