فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 52

رجعت في الزمن خمسة عشر عامًا حين كنت في العاشرة أركب حمار خالتي شفيقة الأسود أمثل دور فارسة عربية لأن الحمار كان كبيرًا نسبة إلى صغري وقصر قامتي. كان لي وجه أحسد عليه حتى إن النسوة يرددن"يخزي العين.. وجه كرغيف الخبز"وتلمست في تلك اللحظة وجهي الذي صيرته السنين ككمشة من رمل الصحراء وصلت بيت سعدى الصغيرة، سعدى القوية تركض خلف دجاجاتها تضمهن في حضنها وتطعمهن في يدها واحدة إثر الأخرى كأنهن اعتدن على الطاعة والنظام.

سعدى تجمع البيض في السلال كأحجار كريمة فالبيض رزقها الوحيد الذي يبقيها في عناد الحياة هي وأخوها سليمان الذي يشحذ أحيانًا بتأدب كأن يقرأ الفنجان والكف فيأخذ بضعًا من الليرات أو يدعو بعض الدعاء. أعطتني بيضة واحدة، ثم شرحت لي عدد الأكلات التي يدخل فيها البيض حتى أحسست فعلًا أنني أحمل جوهرة. فكرت أن آخذ كتكوتًا فالكتكوت يعطي مائة بيضة. أمسكت واحدة بقبضة يدي حينها غاب العالم كله عن نظري حين أوقعتني أمه الدجاجة في منخفض مليء بالحجارة المدببة وصارت تركلني بقدميها فوق صدري ووجهي وتصفعني بجناحيها، جناحين بقوة الموج حين يثور على الرمل.

جاء سليمان من الجبل المرقع بالصخور هناك يجتمع أهالي القرى بطبخون اللحم والرز أمام المقام.

لم يسكت ألمي إلا ثورة القطط التي ظهرت فجأة... من فوق أغصان الشجر من وراء الصخور... من النوافذ... نظر إليها بعيون ذابلة صغيرة كحبتي حمص لم يكترث لوجودي دس يده في جيب سرواله الواسع وأخرج قطعًا من البطاطا المسلوقة واللحمة، أطعمها بيده كما فعلت سعدى.. القطة الكبيرة لحست يده حتى نظفت من الزفرة وهو بدوره أكمل اللحس حقًا لم أقشع في حياتي قططًا سمينة بهذا الحجم كأنها نمور في قوتها...

(عائلة مدهشة) .

سألت سليمان إذا كانت إحدى هذه القطط على وحشيتها قد أكلت إحدى الدجاجات على جوعها حينها صرخ بي بصوت مرتجف فيه حدة وعصبية (ليست متوحشة) وأدمعت عيناه (هي أرحم من البشر أيتها الصغيرة. هي لا تأكلها بل تحميها من اللصوص والذئاب) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت