فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 52

صالحه القدر حين أعجب بقوته القائد الألماني المشرف على تدريب الجيش الأنكشاري انتشله من بين صفوف العسكر الراحلين صوب أرض باردة يدفنون بها مغسولين بدمائهم، حرب نتائجها كلها واحدة. حين وقف جانب الضابط أحس بالحزن والفرح. انتابه القلق أيضًا أمام هدير الأحذية العسكرية فوق الطريق. أصوات تختفي يغلفها غبار كالضباب ودع شباب الضيعة واحدًا واحدًا بنظرات حنين. أصبح حارسًا كالكلب المربوط على باب القائد في داره المشرف على السهول والبيوت المتواضعة، كان يفكر بذلك اليباس الذي يلمع كالذهب من البعيد حين تشتعل فوقه الشمس.

و (كاتارينا) الكلمة الوحيدة التي حفظها من اللغة الألمانية (كاتارينا) كلامها الغريب فيه موسيقا، شعر أصفر غاف على ظهرها، هي كالشمس من يقترب منها يشتعل، ومن يحدق بها ينطفئ صرخ قلب حسن من الضربة الأولى.. أحبها كطفل يشتهي القمر تستدعيه أحيانًا ليسليها في غربتها، في حياة لم تعتد عليها... حتى صار كظلها حين تخطو وحين تجلس على طاولة الطعام وجهه يحمر من الغيظ وهو يرقبها تأكل من كل صحن لقمة ثم تأتي الخادمة لترمي الباقي في الزبالة.

بدأت الحدود الرسمية تزول مع الأيام وهذا ماشجعه لأن يصارحها.

-أليس لكم ديانة يا سيدتي؟

-طبعًا... حسن.

-ودينكم يسمح برمي نعمة من اللّه في الزبالة؟

-لكنها فضالة... أنت ... تأكل فضالة.

خجل حسن أن يخرج من صدره ضحكة صاخبة من ضحكاته المعتادة. فصمتت الزوجة مدركة قصده، وبدأت تدعوه أن يأكل معها، ترقبه بلذة ودهشة وهو ينهي الصحون لا يترك فيها لحسة واحدة.. وتقز نفسها حين يمسح فمه من الزفرة بطرف كمه أول مايجلس على الطعام يتصرف بلباقة، يمضغ بهدوء وبفم مغلق وما أن تمسح ثغرها بالمنديل حتى يصبح بلعومه آلة للبلع السريع. حركاته يبالغ فيها ليحظى بضحكتها ورضاها يجعل نفسه جزءًا مسليًا من وقتها كالدّخان كالنبيذ، كآلة البيانو.

كالعادة.. أكل حتى أهلكها من الضحك كان يمسح فمه وشاربيه حين وقع نظره على شيء لم يره في حياته كلها بدا جسدها واضحًا من تحت الروب الأحمر وضوح السمك السابح في حوض الماء شعر بأن الكرة الأرضية لعبة في كف طفل عابث.

طلب منها وهي مبللة بالعرق أن تحضر غطاء السرير فعلت ذلك بدهشة، ثم أمرها أن تضعه على رأسها حتى يصل إلى أسفلها وتفتح رجليها وهي واقفة. قرأ الفاتحة وخر على البلاط بطوله وعرضه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت