وهناك شيء واحد يمكن أن أنساه فتعلو جسدي حرارة في قلب الشتاء.. نحيب قلبي قصة حب. ودمعة تسقط في كفك الطاهرة العفيفة.
اهتف لي.. فأنا رَغْمَ مدِّي وجذري.. تهدأ موجاتي في لحظة صمت نجلسها معًا.
قال كلامًا لا أهمية له ينبعث من شفتين رخوتين، يتغزّل بعينيها وشفتيها وبكل شيء وهي جالسة كالصنم تنظر إلى اللوحة خلف ظهره (ألوان مريحة: برتقالي فاتح وأسود وسماوي تلوّن البحر وتخفي ملامح العاشقين الأسودين.. يدها في يده وورده) .
لم تسمع كلمة واحدة مما قال كانت تفكر بالقدر الذي يلعب بشخصيات الحياة كمسرحية أبطالها دمىً وإلهها الكاتب يتحكم بمصائرها كما يشاء وفكرت"نغم"وهي تبتلع دموعها بقوة (لِمَ تغيَّر هذا اليوم مائة وثمانين درجةً كما يقال، آخر من أتمنى أن أراه هو أنت؟!.) وفارت دموعها متبعثرة على الطاولة حتى غسلت جفونها وصار اسودادُ الجفن إلى احمرار. أمسك منديلًا ومسح وجهها، لكنها أمسكت بيده بقسوة وأخفضتها.
(كم صرتِ قاسية يا نغم) .. ولم تلق حجة سوى أن تقول:
-تأتيني بعد غياب طويل خاليَ اليدين لا تملك ثمن هذا العصير.. انظر إلى نفسك، كلك أخطاء وفوق هذا إصبع مقصوصة.. لاتقل لي من العمل في المطعم فأنا رغم صغر بؤبؤك أعرف ما يضمر قلبك.
قاطعها مازن متصنّعًا غصة في صوته:
-تهجَّم عليَّ أحد الشبان المدعومين، أردت أن أقطعّه بالسكين التي كانت على طاولته ولكني كما تعرفين بارد الأعصاب، حسبتُها جيدًا، أنا وحيد مقطوع من شجرة فما مصيري إن صرت في السجن وطردت من العمل، ما كان مني بعد هذا إلاّ أن أقطع إصبعي في محاولة للانتحار. وسال الدم كالشلاّل. وخلع من جيبه علبة تبغ فيها حبوب من الدواء بعد أن انتهى من حديثه. نظرت نغم في وجهه نظرة تساؤل غير مصدقة كلمة مما قال فهو مشاكس شرير حاولت أن تغيّره فلم تفلح، أنهت تعليمها في معهد الفنون وصارت مدّرسة محبوبة وملتزمة.
-هناك مشكلة يا نغم سأنهيها وأتفرغ لك.
تجادلا طويلًا حول تلك المشكلة حتى شعرت نغم بعصبية ظاهرة، جهزّت نفسها لتدعه على الطاولة الصغيرة يلفُّه الدُخان من لفافة تبغه، من النوع الرخيص.
-يا رجل، ليتك كنت شيطانًا لكنك أكثر منه قساوة، فالشيطان عندما نحبّه يقدم لنا السعادة المحرّمة، وأنا أحببتك فلم أجد لا سعادة محلّلة ولا محرّمة، ارحمني دعني وشأني.