فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 52

-لِمَ تأتيني النساء إلى غرفتي متوسلات؟!. فأجابت بسرعة وعصبية: لأنك طيب وكريم. حينها ابتسم (عملت بنصيحتك يا عزيزتي، هل أطرد امرأة أرملة فقيرة لها طفلة مريضة وطفل كسيح؟! أم هل أقفل بابي في وجه جميلة تغريني في عز الشتاء والبرد هاربة من أهلها... أنا أعطيتهن الكثير، هن وغيرهن، ولم آخذ إلا القليل.

-لكنّ نواياك لم تكن للخير، بل لسد جوع الشهوة الشيطانية، المرأة الأرملة ليست إلاّ شاذة مثلك، لم لا تعمل مسّاحة أو عاملة في المطاعم.. أنت كاذب وبالنسبة للمراهقة لو كان عندك ذرة من الخير لأرشدتها إلى الصواب، واللّه أعلم ما فعلت بها.؟

وقفت نغم ومدّت يدها مبتسمة بفمها فقط (أودعك بسلام..) . بادلها الابتسامة وقال بسخرية:

-فراق أبدي بأقل من قبلة لا يجوز.

فهمست له:

-ساقط.

حملت حقيبتها بعصبية، لم تنتبه بأن المقصف قد ازدحم بالهياكل البشرية، ينظرون إليها بتطفل وكأنهم سمعوا كل مادار بينهما من أحاديث.

مشت في الطريق الصاعد، الحجر في كل مكان والآليات بصوتها المزعج الذي أخفى صوت لهاثها وحشرجة نفسها، قطعت الشارع دون نظر أو انتباه للسيارات الجائعة لدهس أحدهم لكن مازن كان كالشبح، فلم تكد تصل إلى شارع فارغ حتى رأته بجانبها وصارت تفكر بحيلة للخلاص. وهو يصيح بعصبية (اتبعيني يا بنت ولا تتحامقي) . كان يمشي على الرصيف بينما هي في الشارع المليء بالسيارات وراءه. أومأت لسيارة أجرة بكل هدوء وضحكة قوية في صمتها ظهرت في عينيها وهي ترقبه يبحث عنها باستغراب وتساؤل.

أحس مازن بأن الأرض قد ابتلعته ثم بصقته مع كتلة من التراب، كاد ينفجر غيظًا. لقد أهانته كثيرًا أيرتكب جريمة صغيرة يقضي بعدها لياليه في السجن. هاقد أفلس تمامًا، حتى الأصدقاء تخلوا عنه لم يديّنوه قرشًا واحدًا في حاجته ومرضه، وهاهي نغم أمله في استمرارية الحياة، نغم مصدر قوته للقضاء على اليأس والفقر، كم خففت عنه، وكم غيّرت من طباعه القاسية الناشئة عن تربية وبيئة فاسدة. لم تسامحه كالسابق، وعملت من الحبّة قبة. أمسك بالعلبة الفضية المنسية على الكرسي وفتحها بعيونه قبل أن يمزقها بيديه ليرى ما تحتويه، أهم شيء فيها تلك الورقة على السطح، فتحها بسرعة وصار يقرأ بصوت مسموع:

"عزيزي:"

هناك شيء واحد أذكره فتعلو جسدي برودة في عز الصيف.. رنين ضحكاتنا، صرخة قلبين للانضمام إلى شيء ما...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت