فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 52

وتحرك الشيطان في الشارع، هنا لعبته حيث الساعون.. الذاهبون والعائدون تركض عيونهم وراء السيقان الملفوفة بجوارب النايلون الشفّافة، إنه الشارع الأكثر ازدحامًا في البلدة، شخص واحد جعلها تزيد من سرعة خطواتها- إنه مازن- دخلت في زقاق ضيق فيه محلات قليلة.. دخلت في أول محل لألعاب الأطفال جعلها تشعر بالراحة والهدوء وتنهدت تنهيدة لم تخرج كلّها من صدرها حتى رأت شيئًا طويلًا كالظل الأسود يقف بجانبها.. أشار لها بيده إلى سلة في الواجهة تحمل كلابًا بيضاء من القطن وقال بصوت مبحوح سمعته من قبل سنين (كلاب جميلة) ولاحقت الإصبع بعينيها حتى وصلت إلى وجهه: شفتان مفتوحتان، وجه نحيل متجهّم، عينان كأنهما حفرتان في قلب صحراء متماوجة الرمال. بماذا يذكّرها هذا الوجه؟... (يذكرني بأوصاف الأشرار الذين قرأت عنهم في صغري) . ودون أن ترد عليه تابعت مشيها السريع وصار يطاردها حتى جذب يدها وأوقفها (سلّمي يا فتاة.. الله شاء لنا هذه المصادفة، تصوّري.. اليوم كنت سأسافر) ابتلعت لعابها الأخير وتحولّت الصورة من لون أصفر إلى رمادي.. أرادت أن تبكي بقوة نظرت إلى صورتها في الزجاج، شَعْرًا قضت الليل كلّه في جعله مسدولًا كالحرير... واللبن الذي وضعته منذ الصباح برائحته الكريهة، وفستانها الأحمر ورائحة عطر القرنفل، وأهم من هذا كلّه الهدية التي جمّعت ثمنها خلال عام كامل.. كلُّ هذا ذهب هباءً، كانت تفضل أن تكون في تلك اللحظة التي يرمقها بها مازن بشهوة، قبيحةً كجنية تفوح منها رائحة السم القاتل لا مجال للهرب الآن، سينتهي كل شيء بسلام ووئام، مضت أعوام وعدها مازن بالرجوع ومعه ثمن البيت الذي سيجمعهما إلى الأبد كانت وقتها صغيرة إلى حد ما، إنه طيش الدراسة الثانوية ولعبة أولاد الجيران، الشاب المستأجر. شبّاكٌ مقابل الشبّاك.

إنه الشخص الأول الذي طرق أوردتها وأيقظ بها الشعور الآخر، (حسنًا) قالت بعد أن أحست بغضب عارم قد ملأ صدره.

المقصف هادئ، موسيقا هادئة رومانسية، كراسٍ كلّها فارغة لم تملأ بعد فالوقت صباحٌ والمطر بدأ يكركر الغيوم، لم يكن شكله أليفًا بل يبعث على القلق حتّى على الرجال ها هو صاحب المحل يغض بصره عنه اشمئزازًا.

نظر مازن ببلاهة إليها دون أن يفهم أية كلمة مما قالت وسألها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت