يتمدد في سريره متأملًا النجم الوحيد في آخر السماء، ضباب العتمة يحيط بفضاء الغرفة حتى في النهار. الضوء الممدود بشريط من سقف الغرفة لا يُطفأ. كثيرًا ماتمر الساعات لا يفكر بشيء، يفرغ رأسه بالغضب وبدون إرادته يذهب به الوقت إلى الوراء قليلًا فيتذكر رأس ذلك الرجل في الباص الذي فرغت نصف أشعاره على شكل دائرة في الوسط أو في الشيخ الجالس إلى جانبه والذي ازدحمت الأشعار في وجهه رجل يحظى بتقدير المحترمين وغير المحترمين. وأخيرًا قبل أن ينام يشعل سيجارة يتأمل في الدخان الرمادي الخارج من فمه على شكل رذاذ والدخان الأزرق الصاعد من لسان السيجارة. حلمه الأول تحقق، صار أستاذًا في مدرسة ابتدائية. أما الحلم الثاني، بيت صغير يجمعه بعزيزة. مضت السنين وشعر عزيزة يطول ويقصر كالمد والجزر، كلما مر صيف تنتظره في نفس المكان من محطة القطار كي تقوم بالشيء ذاته. لم يعد وجهها أحمر، في السنتين الأخيرتين استخدمت أحمر الشفاه فصار دبقًا وله رائحة في حزيران. وزّمت عيناها، وارتخى نهداها حتى صارت كشجرة يابسة مهددة بالقطع، في صوت ضحكتها غلاف من المرارة لكنها مازالت إلى اليوم تقفز كحورية البحر من الصورة التي يتطلع بها لساعات إلى الحائط المقابل له لترقص حتى يتأخر الليل فتجعل من السرير جهنمًا ونارًا لا تنطفئ إلا بحمام فاتر. (آه ياعزيزة.. كي أستمر في حبك علي أن أضع رأسي فوق وسادة مريحة.. كل ما أريده ثمن جدار أقدمه لك في الصيف القادم...) .
في النهار يصنع سعادته حين يركض مع التلاميذ في باحة المدرسة، يضحك ويصفر كثيرًا بعصبية. رامي ينسحب من اللعبة بهدوء ويتسلل لوراء جدار مختبئًا عند المغاسل يمسح نظارته الطبية وينشل من زناده كتابًا صغيرًا ثم يبدأ بالقراءة من النصف لحق به زميله وفسد عليه للأستاذ ظريف. اقترب من الولدين رفع كفه في وجه رامي ليصفعه لكن الصفعة لحقت بالتلميذ الآخر. ومسح رأس رامي:
(أنت ولد ذكي.. أرني الكتاب.. أوه كتاب تاريخ.. من أين حصلت عليه؟
لدى والدي الكثير.. خذه يا أستاذ.
ثم ركض تاركًا ظريف في حيرته"... لم لا يتفق اثنان من هؤلاء إلا عندما يلعبون على شكل فريق واحد... لم لا يتوحدون لإخراج فرنسا!".
بدأت يده ترتجف وهي تخفي الكتاب"ماذا لو كان الكتاب خطيرًا... سأرميه.. وتحت الضوء الخافت جلس يقرأ. يفهم ولا يفهم. قلّب صفحاته حتى اشتعلت أعصابه فرماه وهو شبه نائم."