فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 52

ونسيت أن أصلي كما يفعل الأتقياء قبل الموت بلحظة. أن أنطق بالشهادة كما يفعل المجاهدون فوق البندقية. نسيت ادريس ويوسف، والمسيح فكرت فقط في الخطوتين، وبحسن الذي ركض كالمجنون بين العشرات.. راودني ألم الرحيل حين وقع جسدي فوق سيارة الأجرة، فكرت بها قبل أن أفكر بي وتساءلت: (لماذا الفقراء هم دائمًا الذي يدفعون الثمن حتى في القضاء والقدر؟!) .

وهذا الرجل البائس من أين له أن يدفع ثمن دمي. ومظهره يؤكد بأنه لايملك عجلة في هذه السيارة.

تدحرجت، ألملم عن مقدمتها الغبار دون أن أكسر الزجاج. وأسقط على الأرض المبللة بالمطر.

زعقت السيارة، ساد صمت عجيب توقفت العربات كلها والنسوة توقفن عن الثرثرة للحظة صار الجميع كتماثيل حجرية قبل أن يعود الضجيج بشكل مضاعف كأنه الثورة. وأقول الثورة حتى في لحظة الموت بسبب تطفلي على الكتب القديمة الراقدة تحت أغطية من غبار. للسائق لحية فضية يظهر من تحتها جلد أسمر داكن. وصرخت بقلبي ثانية:

(دعني أعيش.. دعني أيها الرب، يجب أن يكون لموتي بطولة كما اشتهيت دائمًا، يجب أن أعيش ريثما يرحل الرجل في سبيله) .

أهذا هو الموت؟! حركت يدي فتحركت حركت رجلي اليمنى أخذت نفسًا.. كل شيء في جسدي تحرك لا قطرة دم في فمي ولا كسر وصرخت بفرح لأن صوتي قد خرج (دعوه.. دعوه.. تابع عملك..) .

رد جارنا: (أنت مصابة بنزيف داخلي. لن تشعري به الآن) .

وتابع آخر: (سيتكفل بتكاليف العلاج في أحسن مشفى خاص) .

تابع ثالث: (انظروا الفتاة تكاد تموت... من الصفرة) .

وفي يدي المرتجفة، تجمعت قصاصات ورق (اسم الرجل أبو شفيق.. منزله في حي السجن... رقم السيارة(كذا) .. رقم الهاتف (كذا..)

عجنت الأوراق ببعضها وبعرقي.. ثم تابعت قطع الشارع وفي عيون أبو شفيق نظرة امتنان، وخوف وحنين...

الزمن والصفّارة

مازال ينظر في صورتها.. يغيب في الأحلام، يركض معها فوق الجسر مقلدًا الضابط الفرنسي وهو يمسك صديقته من يدها.

في الأسفل طريق مغطى بالحصى البيضاء تمتد عليه سكة القطار بشكل منحنٍ. في كل مرة يغادر فيها عزيزة، والمدينة يصفر القطار بلحن حزين فيبكي بصمت. للغرفة التي يسكنها رائحة (المكدوس) الذي حضرته أمه وحشته بالجوز والثوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت