فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 52

حين بدأت أفك الحرف قررت أن أصنع من ظلي فتاة من سطور، أقرأ العبارات الحماسية فوق الجدران، وعلى الأعمدة الخشبية التي توصل أشرطة (الكهرباء) .

(الوحدة طريق نحو التحرر) ، (عاشت الوحدة بين سوريا ومصر) .

(عاش فلان...) (سقط فلان..) .

هجم الزمن، فصار للمدينة وجه آخر.. صبغت تلك الجمل حتى صار للحيطان لون الموت. وطعم الموت.

أما الطوابق الأولى من العمارات فتحولت إلى محلات مضيئة يطلقون عليها (سوبر ماركت) اغتصب الكبار ساحات الصغار التي كنت أركض، وأقفز وأدور وكل هذا بسبب التجارة. والسياحة من البلدان القريبة والبعيدة.

حتى في الساحات الصغيرة يتلاعبون بالخريطة...؟ لو كنت مازلت طفلة لتزعمت مسيرة صغيرة. وصرخت في وجه (أف) له ولكل من يملك ولدًا في الحارة. لكنني اليوم لاأملك شيئًا أصرخ من أجله.

في المدرسة تقول معلمة اللغة الإنكليزية (زينب) وهي تخربش بحروف غريبة:

-يابنتي.. جملك كلها عن فلسطين..؟ مازلت فتية على الهموم، دعي قضيتها للكبار. عن ماذا أكتب حين أفكر أن أصبح كاتبة، عن عصفور فوق العش يغرد بفطرته.. عن طفل يبكي ويده فوق ثدي أمه الناصح بالحليب.. عن مريض واحد يتألم في سريره بين يدي الطبيب أم عن قصة حب عابثة في صدر القرن العشرين؟

وأجيب بـ (لا) لصرخة واحدة تخرج من ألف حنجرة.. لأقوام يرتجفون في ثلاجة ليوم جوع أو عطش يفطر عليها السياسيون ويسكرون على دمائهم.

فوق طاولة مكتبي ابتهلت بخمارها الحبري. بخشوعها على سجادات السطور كلمات القصيدة، لتخرج متثاقلة بحملها فوق فضاءات الصحيفة كالنمل الأسود حين يكد في حمل حبات القمح والسكر.

أتاني صوت من الهاتف، متعب وهادئ كصوت شاعر علمت منه بأن قصيدتي منشورة في الصفحة الأخيرة.

فرحت والفرح يتعب ويقلق. ودون أن أقف ساعة أمام المرآة لا أدري كيف سرت في الحارة بهذه السرعة لشراء الصحيفة من مكتبة حسن. قبل أن أنهي قطع الشارع وجدت نفسي كالعصفورة أطير في السماء. ويا اللّه كيف استطالت الثانية.

(لا.. لا يا رب.. لن تميتني الآن قبل أن آلامس حلمي الذي ينتظرني في الطرف الآخر من الشارع) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت