فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 52

فوق الرصيف المطل على الكازينو استند إلى عمود كهرباء حاملًا سلّة ملآنة بالأقلام يتسول بطريقة تحفظ كرامته.

توقفت سيارة فخمة، أضاءت جسده الطويل المنحني.. اقترب من الرجال الثلاثة وهمس بقوة:"أقلام، أقلام.. اشتروا.. بليرة فقط..".

دخل الاثنان إلى الفندق بينما تسمّر الثالث في مكانه محاولًا أن يرى وجهه:

-صوتك مألوف.. أجل أجل.. أنت أحمد عفيف.

-القلم بليرة واحدة.

ضغط الرجل على زنديه وصرخ بوجهه:

-أنت أحمد عفيف.. ادخل لتتعشى واحكي لي قصتك.

أجاب بصعوبة هازًا رأسه بيأس

-كنت أحمد عفيف ياجوزيف..

صرخ صديقه:

-أجننت.. تتحدث مع متسول؟!

دمعت عيونه وقال:

-هات قلم... أو هات عشرة أقلام

-أريد سيجارة

-خذ.. العلبة كلّها.. والقداحة أيضًا.

-كره (أحمد) عيشته.. عذّب جسده، حكم على نفسه بالموت قهرًا.. بالموت خمرًا. افترش في الحديقة العامة جريدة وتمدّد فوقها وصار المطر يتكسّر فوق جسده..

أجزاء من الثانية

أركض معهم في الشوارع، من ساحة إلى ساحة، ومن زقاق لآخر.

نضحك في جري سريع، نفقد عقولنا ونحن نلاحق الطائرة، ونرفع الكفوف في السماء لنتلقف أكياس السكر، والوريقات الصغيرة الملونة لم أكن أعرف القراءة لأني لم أدخل المدرسة إلى الآن.

يقرأها لي والدي ويبتسم دون أن أفهم كثيرًا فأبتسم أنا الأخرى.

أتأمله دائمًا وهو يقرأ الصحيفة أيام كان للصحيفة شخصيتها وكرامتها.

أراقب حدقته البنية في تحركها المستمر من اليمين إلى اليسار ثم الأسفل حينًا تلمع، وحينًا تنطفئ. وكنت أتساءل كل هذه المشاعر والانفعالات يمكن أن تسببها ورقة موشومة بحروف حجمها بحجم النملة؟

تزورني (سوسو) ابنة الجيران تشد إليها دميتها التي لا تفارقها أبدًا تقول:

-لن تهجم إسرائيل.. يارب.. لاأريد أن أموت بالحرب قبل أن أتزوج...

أما أخي الذي صار زوجها بعد عشرين عامًا، قال:

-ألم تسمعي الأخبار؟ غدًا الحرب، كسري الحصالة لنشبع حلويات قبل أن نموت. وقبل أن ينهي كلماته، كانت الليرات المغبرة على الأرض، والفخار تناثر قطعًا كبيرة وصغيرة، شبهته ببيت هدته الحرب، لأن الحرب في ذلك اليوم صارت هاجسي. انتظرت حتى المساء لم تحصل الحرب وبكيت على حصالتي الأثرية لا على النقود التي صرفناها في أكل الحلويات وعلى مدة ثلاث وجبات سببت لي إسهالًا شديدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت