فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 52

دق الباب.. ظهرت صاحبة البيت الأرملة أم كاظم تحمل له طبقًا من طعام العشاء بدت وهي تمسك الكتاب كشجرة حبق يلعب بها النسيم ليوزع عطرها في الفضاء وضع في فمه لقمة كبيرة مغمسة بالبيض المقلي، بينما المرأة تفتح الكتاب وتجلس قبالته على الكرسي تبلل شفتيها بكأس من الشاي.. الصمت بينهما لم يطل، صرخت

(الله.. الله.. ! قرأت تلك الأغنية المكتوبة في الصفحة الثانية؟ اسمع...

وصارت تردد بصوت هادئ أشعر ظريف بالسكينة:

هيّن ضرب السيف يابا هيّن عَلَيّه

ولا شوف الشعب كلّه بالعبوديه

شدّد أوتارك يا عود، وسلينا بنشيد

مجد العرب بده يعود، البعث هيك يريد

مسح فمه من الزفرة وابتسم: خذيه..

كادت المرأة تطير من الفرح، أخذته بعد جدال واضعة يدها في يده بامتنان ثم خرجت وبقيت رائحتها في الغرفة. لتلك المرأة صوت يذيب قلب من يسمعه، صوت مغلف بالحزن والألم والأمل. كلما رددت تلك الأغنية تستحضره عزيزة وفي رقصتها شيء من الانكسار والخمول. بدت صورتها تغيب عن ذاكرته شيئًا فشيئًا، وصار يغني نفس الأغنية في كل مكان، في الحمام، وحين، يحلق شعره المؤبر في وجهه. عند الظهيرة حصل انفجار، صرخ كاظم من فوق السلم ودق عليه الباب راميًا نفسه في حضن ظريف حين كانت أمه في عملها خارج المنزل.

مر دياب الدركي في الزقاق وصفر، أشار له ظريف أن يصعد. أخذ كاظم من يده وغمز بعينه (حنون أنت يا ظريف!) .

رد ظريف: (حرام إنه يتيم) .

ضحك: (بحياة والدك.. ألا تعطف على أمه أيضًا؟!.. أخ لو لم أكن متزوجًا. امرأة مازالت تحتفظ بجمالها حتى تكاد تفجر الصخر شذرات) .

يبدأ صديقه بسرد الأحداث التي حصلت طوال الأيام السابقة ثم يقضيان وقتًا طويلًا في الصمت. يتحدث ظريف عن عزيزة حتى يشعر الآخر بنعاس شديد لا يزيله سوى الحديث عن الأرملة ويقنع نفسه بقراره:

"ليست عزيزة الأولى التي قضت حياتها بالانتظار وفاتها القطار... فالجيب لن يمتلئ والحياة صعبة. الأرملة ناضجة كلامها أمل، خطواتها واثقة إنها البديلة ولو أنك الغالية".

فتحت أم كاظم الباب وتعالى صراخها حتى سمعه ظريف.. كانت تبكي كأن مصيبة حلت بها، ولكن ماذنب الولد كي تصفعه. التقت عيناها بعينه حين تراخت على الكرسي (ماذا فعلت يا كاظم.. آه يا كاظم.. أتمزق كتاب أجدادك لتصنع طائرات من ورق.. ألا تحب أن تعيش حرًا.. وإن لم تعشها اقرأ عنها...!) .

الولد يبكي، ويحدق بها كالأبله، في تلك اللحظة قرر ظريف أن يتزوجها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت