فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 52

تمددت في الغرفة الحجرية تداعب الوسادة تجدل شعرها الطويل وتفرده دون ملل ناسية أن العمر مضى وأن الشعر اصطبغ بالأبيض الفضي، الدم يغلي في عروقها شيء في داخلها يأمرها بفعل أي شيء بالركض أو المشي بالرقص بالدوران حول نفسها.

المجرفة وصوت رقرقة الماء ولهاث أمها اختفى... صرخت حتى تأكدت من خلو المكان دخلت الغرفة بحثت في الخزانة النحاسية عن كيس وضعت فيه أشياءها ودست يدها في صدرها باحثة عن قطعة القماش المنتفخة بالنقود.

تحسست بعصاها صخرة وقعدت عليها تدير أذنها إلى كل خطوة، انتفضت من مكانها حين سمعت دندنة ولد يقفز وراء بقرة وضعت في يده عشر ليرات لينفذ كل ما تطلبه أوصلها إلى الطريق العام، أوقف لها حافلة الركاب أجلسها في مقعد فارغ ثم اختفى.

تبتعد مرة أخرى، الزمان يختصر المسافات الطويلة وفي النهاية يعلن السائق بصوته الحاد عن آخر نقطة وقوف. يحدق بالجسد الحائر على كرسيه في المرآة الصغيرة، ابتلع لعابه الغزير وبنظرة واحدة نهمة استقرت مكابحها لما وقعت على عينيها الخضراوين الصغيرتين. وجهت رأسها ناحيته، ابتسمت للهواء انقبض حين اكتشف عماها فتذكر الرب، وطلب منه السماح.

أمسك بيدها البيضاء حتى صارت تحت الشجرة الوحيدة، دقت باب أم عزيز واختفيا في الداخل، شرحت منيرة مغامرتها محتسية القهوة الحلوة.

-فكرت كيف ستعيشين؟

مؤقتًا سأظل عندكم بضعة أيام.

جحظت عيناها، تحول شعور الشفقة إلى شعور بالاشمئزاز ارتجفت واشتعلت أعصابها نارًا (أبو عادل سيبحث عنها هنا- اللّه يبعد الشر والمشاكل- وزوجي الموظف سيجن جنونه. إنه لا يصبر حتى الأولاد) .

استجمعت قواها شارحة تعذر هذا الأمر. وكان الوداع الأخير.. دقت، خبطت على الأبواب، البعض لم يفتح لها والبعض الآخر لم يغير إجابة أم عزيز، أما الباقون فقد عرضوا عليها المال شفقة، مما سبب لها حزنًا وإحباطًا.

مرة أخرى وقفت على الرصيف، دموعها تبلل صدرها المتعرق (الشيء الوحيد الذي سأقرره.. الموت) .

ورمت بجسدها إلى الشارع، سيارة يزعق زمورها. بالكاد توقفت في مكانها انتشلها أحدهم يظهر من صوته أنه في الثلاثين.

-انتبهي يا خالة.

ابتسمت بمرارة وهي تلعنه في داخلها (خالة؟‍‍‍!) .

صوت حفيف العجلات على الطريق الأسود سكان الحارة في رقعة واحدة. همهمات وهمسات (إنها منيرة... ساعدها اللّه.. ماتفعل وحدها هنا...) .

الأصوات تقل. بقيت وحدها. تفرقوا كما يختفي الغبار في العاصفة كل إلى شغله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت