فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 52

-اتصلوا بالشرطة.. أنقذوني.

الجميع نصحها بقبول الأمر الواقع، فهو أبوها وولي أمرها.

اقتربت من أم عزيز وهمست في أذنها:

-خالتي.. أنت وعدتني بالعريس.

صرخت بدهشة:

-أي عريس؟...

وانفجر الوالد غيظًا.. سحب ابنته من يدها مزفرًا على الجارة التي أغلقت الباب بقوة في وجهيهما بعد جدال عقيم. منيرة ترفض أن تغير من حياتها، السهر على الشرفة واللذة في سماع صوت الراديو الصادر من الشرفة المقابلة، شعورها بوجود أحدهم وشعورها بجمال جسدها، الوجه المدور كقرص البدر والصدر العاجي الواسع الذي ينتظر ليكون باحة لطفل.

كل هذا تلمسه بيدها فيشتعل انتظارًا وأحلامًا.

في آخر مساء على ذلك الكرسي كانت تتذكر آخر ما رأته في هذه الدنيا وجه أختها التوأم حاملة حقيبة حمراء ترقص مرحًا وهي ترفع الجلاء الأزرق وترمي بنفسها على الوالد عند الظهيرة، تداعب بإصبعها ذقنه والأشعار المعثكلة كغابة ليلية فوق صدره الكبير.

مازالت تذكر ظليهما وتلحظ المحبة التي وهبت لأختها، واختفت الألوان مع الأيام.. اختفى وجه الأخت الأسمر الضاحك باستمرار.. اختفى الولد صاحب الكرة الذي صار رجلًا وسافر مع أختها إلى لبنان ليستقرا وينجبا.

أقفل الباب بالمفتاح. وسحبت إلى صندوق السيارة الكبيرة، تكورت تضم ركبتيها تاركة نفسها على سجيتها. تهتز مع رجة السيارة، السيارة تقف فجأة. تسمع صوت صفارة يلحقها صوت زعيق المحركات ومزامير منوعة كموسيقا يدق على آلاتها مجموعة مجانين. هذا الصوت، صوت والدها والسائق فقط يدخل أذنها. الظاهر أنهم صاروا خارج المدينة.

قطع الحجارة الصغيرة المدهوسة تحت العجلات تعلن بالوصول إلى الجبل. وضعت رأسها بين كفيها متذكرة أمها الخرفة وعصرته بقوة مبتهلة في عتمتها أن تنزلق السيارة في أسفل الوادي فيصير والدها إلى الجحيم لتكون حرة بأحلامها، تتحكم بذاتها تبتسم تتأمل وتتخيل متى وكيفما تشاء.

جرها الوالد بيدها، لم تمل برأسها يمنة أو يسرة أصوات قرقعة الحجارة المدببة تحت أربعة أقدام ثقيلة، وأفكار تلوك عقلها مثيرة ومرعبة.

تلاحقت الأيام لا صباح تشرق شمسه ولا حرارة للظهيرة تنبئ بموقع الشمس من الكون.

والطعام نفسه الفطور كالغداء والعشاء. قطعة خبز مع سلق أو كوسا والخضار حسب الموسم فإن زرعت الأم نوعًا من الشتل سيظل هو الطعام الثابت طيلة فترة تواجده في الأرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت