والسرير بارد جدًا أمام الحرارة الساكنة في كل الأشياء وحتى في الهواء كتبت قصيدة قصيرة قضيت فيها أربع ساعات من الألم الروحي قصيدة لم تتجاوز عشر كلمات، أظن بأني السبب في بكائه الآن. كنت أدري بأن الحب الكبير الذي نشأ بيننا قد ذكره بعجز تناساه مدة سنتين وكنت واثقة بأن الدمع لا يزيد الرجال إلا رجولة اشتعلت عيناه حقدًا غابت قليلًا عن الوجود وضع الورقة في جيب قميصه الأبيض. رد علي بجمود وتكلف (شكرًا يا آنسة) ثم نزل في جنينة الشجر، وحدي وقفت أرقبه كيف يغيب في البهو عبر الباب الضيق أعماني الدمع والعتمة انتظرته في اليوم الثالث جميع رفاقه خلف الطاولة الطويلة يضحكون ويتهامسون خجلت أن أسأل عنه... انتظرته كثيرًا.. لم يظهر. صرت قلقة كعصفورة أضاعت فرخها.
في اليوم. الرابع. لم يظهر.
في اليوم الأخير. لم يظهر.
بدأت أزور الحديقة عندما تفتح لأسبوع كامل من كل عام. وأقول.
في العام الثاني. لم يظهر.
في العام الثالث. لم يظهر.
في العام العاشر. لم يظهر.
ثَورَةُ ضَريرةٍ
الضجة تثير الأعصاب، سيارات وشاحنات تتناثر على طول الشارع كحبات عقد مبعثرة، حرارة الشمس تشعل الأرض احتراقًا والشجرة الوحيدة في الساحة مقابل دكان قديم لا تهتز فيها ورقة، جو مناسب لقيلولة قصيرة بعد طعام الغداء.
فجأة تملأ النوافذ المفتوحة بالرؤوس الناظرة ببله إلى الساحة.. الصراخ يعلو، تلعن أم عزيز عيشتها شادة جسدها الثقيل هي الأخرى إلى نافذتها بعيون نصف مفتوحة.. أبو عادل يقفز حاملًا عصا رفيعًا وصوته كصوت محرك قديم يخرم الآذان، نظر من خلف نظارتين لامعتين بضوء الشمس إلى أعلى يتفحص النوافذ المرتبة بشكل مربعات على جسد البناء.
-أظهروها.. أين اختبأت؟
وصار يهوي بالعصا على جذع الشجرة حتى خارت قواه، سحب نفسه وصعد إلى بيته في آخر طابق. حل الليل بطوله.. خرجت الشمس ثانية من الشرق. وقف في الساحة واستأنف الصراخ لكن هذه المرة بشكل آخر.. ضعف الصوت وأخذ نغمة حزينة.
-يا جماعة لن تشفقوا عليها أكثر مني.. هي لا تستطيع الابتعاد عن المدخل.
وأمام توسلاته خرجت منيرة تنظر في البعيد متكئة على الجدار صاعدة الدرج بصمت دون التفات وبين جدران الغرفة حصل نقاش حاد انتهى بصفع منيرة عدة صفعات.
-سترحلين يا مغضوبة.
فتعالى صراخها:
لا أطيق القرية... هنا ولدت، وهنا أموت.
-ستدفنين العائلة كلها ولن تموتي.
حررت نفسها من بين يديه ونزلت الدرج تزعق وتولول.