فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 52

لو تحدثت وماشيته في تلك اللحظة. لفرطت دموعي لذا لذت بالصمت، وهو يحدثني عن القذيفة التي فتتت رفاقه الأربعة في جنوب لبنان ولم يبق إلا هو شاهدًا على نار شبت لتأكل السيارة العسكرية وتلوكها. تغير صوته عندما قال: (ليتني كنت معهم محترقًا بدمي.. هاهي الأيام تزول- عمر ويمضي أنا كافر أنا أتعذب...) .

نظرت في عينيه العسليتين دخلت فيهما إلى أعماقه قلت له بغير شعور (أنت بطل.. ياسيد جمال.. أنت شهيد يتحرك..) ثم تصنعت ابتسامة ردَّ علي بمثلها.

غير حديث الحرب تكلم عن عيشته ووضعه المالي. بيت كبير وسيارة مع جنديين بالإضافة إلى الراتب الشهري الذي يتقاضاه من الجمعية.

أكملنا الحديث في الحديقة أجرّ الكرسي بقوة أنثوية ليتحرك ببطء.

أسندت ظهري على جذع ضخم لشجرة عملاقة. حاولت ألا أنظر إلى قدميه فأشعر بضعفه. الشمس تختفي من الوجود تأخرت فليكن لم يبق سوى ظلين بشريين وعشرات الظلال لجذوع الشجرات. أحسست ببرودة كفي عندما وقعت في كفه الدافئة شبهني بوردة البنفسج. صرت أمشي مع الكرسي. صرخ صوت من قرب.. اقتربت الخطوات السريعة نظر الشاب القصير إلينا بابتسامة وأخذ الكرسي بكل هدوء. العجلات تدور مسرعة على الطريق الضيق الذي بدأ مخيفًا بعض الشيء في تلك العتمة جمال يناديني أن أسير بمحاذاته أمسك بذراعي وأمر الجندي أن يتمهل (اذهبي الآن... أتمنى أن تتوقف الحياة عند تلك اللحظة لكن ما باليد حيلة) صرنا قبالة سيارته أمرني بالرحيل فجمدت كالصنم في مكاني.. لم يكن يريد أن أرى ما رأيت انتشله الشاب لافًا إياه بذراعيه. ثم وضعه في السيارة السوداء. ومن خلف الزجاج بدا وجهه لامعًا قويًا كوجه فارس أسطوري حلمت به كثيرًا.

في المساء فتحت النافذة على مصراعيها. بدت شجرة التوت مخيفة وهي عارية في عز الصيف. الجو حار جدًا ولا نسمة هواء تبدد الاختناق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت