فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 52

وقبل أن أدخل في الباب الضيق وصل إلى سمعي صوت موسيقا كلاسيكية. رجال يصرخون مع صوت فرقعة أصابع أصوات أطفال أيضًا... تهدأ الموسيقا حتى تغيب ويخرج صوت امرأة ليهدئ من صخب الصراخ، جف لعابي... دفعت نفسي إلى الفسحة الواسعة كعب حذائي أسمعه يرن فوق بلاط الرخام. هدوء اشتعل فجأة ليملأ المكان بقوة الإيقاع. إيقاع يحكي حكاية شعب قديم لدرجة أنني رأيت أحصنة تصهل. وقلعة حجرية. أب يقتل.. أم محمرة الوجه فوق تنورها.. رجال بعيون زرقاء. صليب يكسر.. صليب يعمر.. صرح يبنى. قبر يهدم من أجل جثة أخرى.. تفجر قلبي.. وبالكاد جمعته لأكمل رحلتي مع اللوحات التشكيلية المعلقة على الجدران.. أحتاج ساعات كي أنهيها بالتأمل والتفكير.. الواقع مع الروح الحالمة وفي اللوحة الأخيرة التي أوقفتني لتحمل بين جفني دمعتي قلق انجذب نظري إلى الكرسي الرمادي المائل إلى الصفرة الداكنة. وفوقه رجل مرسوم بالأبيض يذوب كشمعة أشعر بأنه سيتلاشى بعد دقائق. الرجل الثلجي يتململ مع الموسيقا يتحرك فمه بشكل منحنيات.. أخفضت نظري وقبل أن ألقي نطرة أخيرة.. التقت عيناني بعينيه اللامعتين كان يجلس مع رفاقه خلف طاولة طويلة.. وجه نشيط وشفاه يغطيها شارب كستنائي لأول مرة أشعر بالسهم الخفي -قاتل السكون- سهم يفتح القلب على الحياة لتبدو أجمل. مرة أخرى مسحت بنظري كل المناظر. رأيتها بمنظور آخر. حتى وصلت إلى اللوحة الأخيرة. سألته بجرأة مصطنعة عن رمزها بعد أن وقع نظري عليه بغير قصد. صار يشرح لي. معاني كلماته لم أسمعها لكن نغمها الرجولي عبأ أوردتي بالدماء يبدو أنه أذكى مما توقعت. دعاني لفنجان شاي مع الكعك بكل أدب. لم أتردد جلست قبالته شاعرة بالضعف والخجل. كان الحديث طويلًا. بدأت أتحدث بطلاقة فجأة تحرك الكرسي وحده من قبالتي توقفت فجأة عن الكلام. نسيت نوع الحديث الذي بدأته من ساعة. صعقت. رجل بهذا المرح والثقة والشخصية القوية مصاب بالشلل قررت أن أرحل في سبيلي فما أكثر الأحلام التي تنتهي بالمفاجآت والغرابة علي أن أختفي فورًا قدماي لم تطاوعاني على الوقوف. يبدو أنه لحظ الاصفرار في وجهي عندما تحرك كرسيه. انطفأت نجمة النهار في حدقته الواسعة رفع يده وأشار إلى اللوحة وراءه:

(أنا من رسم تلك اللوحة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت