تلمست بيدها الشيء الذي علق بشعرها، ورقة صغيرة قاسية اقتلعت من الشجرة (هكذا دائمًا يبدأ السقوط.. ورقة ورقة.. وفي ذاتها يسقط فيها الدم قطرة قطرة، لكل شيء ظل والظل مع الأيام يقزم حتى يختفي هجرتني كل الأشياء، لم يبق لي من الدنيا سوى عماي) .
لم يتغير شيء سوى للحظة قصيرة، مسل ما فعلته.. عمل يعشّش بالذاكرة. غيرت من بلادة زمنها.. وافترست المكان بإرادتها. استحوذت على اهتمام الجميع وصارت حديث البنات والنساء تشعر الآن ببرودة الشمس، لابد أنه العصر. لن تدعها أم عزيز في الساحة. ستنام عندها الليلة.
والآن يد تشد بمعصمها كقبضة الحديد، تجرها كما المرة الأولى وتدفعها إلى الصندوق الكبير في السيارة ذاتها. في لحظة الاختفاء الأخير مالت منيرة برأسها نحو حارتها متخيلة الرجل صاحب الراديو ونشرات الأنباء وهو يلوح لها بيديه. فركت يدها المحمرة من الضغط، تجمدت في مكانها و (سقطت) .
المليونير يتسول
ترّجل، رنّت الشناشيل والسلاسل الفضية. صهل الحصان الأبيض بغنج ضاربًا بأسفل حوافره أحجار الطريق. صوت يتداخل في السكون. العشرات صغارًا وكبارًا يتجهون بصخب ناحية درب (الخرّ) يتفرجون على الرجل الجميل يحدقّون بكل قطعة تغطي أجزاء جسده. الحذاء العجيب الواصل إلى الركبة. بنطال أبيض ضيق مشدود على البطن بزنار مصنوع من المعادن الثقيلة وقبعة مخملية فوق رأسه الأسمر.
"عجيب أمركم أنتم الفلاحون.. تروحون وتجيئون في الأزقة والمزارع. تدخلون وتخرجون كأنكم في قطعة ليف كلّكم.. تجتمعون ليستخدمكم رجل واحد يجدد جلده بكم حين يحفو ويتعرى في الحمام...".
من تلك الدرب الضيقة نفسها دخل القرية، وكلّ ماكان يملكه أب وأم، وحمار رمادي يحمل فوق ظهره، وسادتين وغطاء. حين فعل الذل بالفقر حكاية نزلوا من الجبل إلى الساحل وتبرّع الخلق في القرية كلّ حسب قدرته. ومن ظهر الحمار جمع والده ثروة، يبيع البيض، يصفّه في سلاسل فوق قش أصفر له رائحة الأرض الدافئة. ثم طور تجارته صار يبيع كل ما تحتاجه الفلاحات، من الإبرة وحتى المناديل وأقمشة الأغطية والستائر.
الجميع يهتف من القلب بحياة أحمد عفيف الذي غناه اللّه بمعجزة جعلته في نظرهم في مراتب الأولياء. فأبوه حين مات سقط على وجهه نور من السماء.
ثم أمطرت الدنيا بعد انقطاع. وانفرجت الأحوال.