فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 74

ثمّ إنّ هذا الّذي يقول لنفسه هذا الكلام يجهل حقيقة العبوديّة، فإنّ مراد الله تعالى من خلقه غير ما يظن، ومن الّذي قال إنّ الله تعالى يريد من العبد أن يكون سليمًا من المعصية؟.

بل إنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أكّد هذا لأصحابه حين ظنّوا هذا الظّنّ فقال:

(لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بغيركم فيذنبون فيستغفرون فيغفر لهم) [1] .

هذه هي حقيقة العلاقة بين الله تعالى وخلقه، ينعم عليهم ليشكروا، ويذنبون فيستغفرون فيغفر لهم.

كما أنّ لله تعالى حكمًا في تقدير الذّنوب على العباد، فليس في خلق الله تعالى شرّ من كلّ وجه، بل في كلّ شيء له حكمة قد نعلمها وقد لا نعلمها.

منها: تحقيق اسم الله تعالى الغفور وصفة المغفرة والعفو والحلم والصّبر وغير ذلك من أسمائه وصفاته، فإنّ كلّ صفة لا بدّ لها من مقتضٍ وآثار تصدر عنها، فلولم يذنب العباد فكيف يعرفون سعة عفوه ورحمته وحلمه؟.

ومنها: أنّ يرى العبد حقيقة نقصه وأنّه ضعيف، وأنّه لولا الله سبحانه لم يهتدِ ولم يؤمن، قال تعالى مذكّرًا بهذه الحقيقة:

{واعلموا أنّ الله يحول بين المرء وقلبه} ... [الأنفال: 24] ، وكان أكثر دعاء النّبيّ - صلى الله عليه وسلم:

(يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك) [2] .

والغرض من ذكر هذا الكلام أمران:

الأوّل: أنّك إذا جاهدت نفسك على ترك الذّنب حقّ المجاهدة فلم يُقدّر لك أن تقلع عنه فلا تعتقد أنّك بعيدٌ من الله، بل إنّك قد تكون أقرب إلى الله تعالى من رجل سليم من الذّنب، وهذا هو معنى قول السّلف: (أنين المذنبين أحبّ إلى الله من زجل المسبّحين) .

فعليك بالمواصلة في المجاهدة فإذا جاءك الأجل وأنت على هذه الحال فقد برئت ذمّتك وأنت للفوز أقرب، يدلّ على هذا دليلان:

أوّلهما: قوله تعالى:

(1) تقدّم.

(2) أخرجه التّرمذي في الدّعوات باب90، وللمزيد عم الحكمة من تخلية الله بين البد وبين المعصية انظر مدارج السّالكين لابن القيّم1/ 226 وما بعدها. .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت