وكذلك قال بعض السابقين: والله لولا أنّ الله حدّثنا ما صدّقت أنّ رجلًا يأتي رجلًا.
ولمّا قال النّبيّ - صلى الله عليه وسلم:
(إنّ من أكبر الكبائر أن يلعن الرّجل والديه) قال له الصّحابة: وكيف يلعن الرّجل والديه؟ [1] ، فهم لا عهد لهم بهذا الذّنب الشّنيع.
ومن سياسة النّفس أن تلجم عن الخلق الذّبابي: الوقوع على كلّ ما هو قذر وخبيث، لمجرّد خبثه، وترك الحسن والجميل.
فتعويد النّفس على التّرفّع عن الخسائس والقاذورات أمر مهم، إذ هو مساعد على الالتزام بالشّرع، فإذا اقتنع العقل اقتناعًا تامًّا بقبح المعصية وحسن الطّاعة كان ذلك قاعدة تعينه جدًّا على حفظ توازنه في السّير إلى الله تعالى وإن مال به الطّريق قليلًا.
فوائد الذّنوب للمؤمن والحكمة منها
النّاس إذا وقعوا في الذّنوب على حالين:
فالبعض ينظر إلى القدر ويرى أنّ الذّنب مُقدّر من الله تعالى عليه وقد حاول الخلاص فلم يستطع، فالنّتيجة إذن أنّ الله قدّر هذا عليّ وهو يحدث رغمًا عنّي، وما حيلتي فيما لا قدرة لي عليه، وما حيلتي إن كان الله لا يريد لي الهداية وكتب عليّ الشّقاء؟ هكذا يبرّر لنفسه الاستمرار في الغيّ والبعد عن الرّشد.
والبعض الآخر يعاقب القدر بزعمه، فبما أنّ الله قدّر عليّ هذا وأنا أريد الهداية فلا يوفّقني، فإلى المزيد من المعاصي، ويغرق في الذّنوب.
وكلا الحالين ناتجٌ من سوء فهم لحقيقة القضاء والقدر من جانب، وسوء فهم لحقيقة العبوديّة ومراد الله تعالى من خلقه.
فالله تعالى وإن كان قدّر القدر وقضى على الخلق وكتب في اللّوح المحفوظ كلّ شيء، لكنّه يبغض المعصية ولا يريدها شرعًا وإن كان قدّرها كونًا.
(1) أخرجه البخاري في الأدب ح 5937 عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما.