فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 74

وأمّا اللّواط فمصادمته للفطرة لا يتشكّك فيها عاقل، فإنّه مقزّز للنّفوس السّويّة، وليس في أصل غرائز المخلوقات ميل الجنس لمثله، [1] بل لايكون هذا إلاّ من نفس انتكست فيها الفطرة، فأصبحت تستلذّ بالقبيح وتستقبح اللّذيذ.

وكذلك هناك فرق بين ذنب يقع فيه العبد بلا تدبير، وبين ذنب يرصده العبد رصدًا ليقع فيه.

والمقصود هنا ترك الذّنوب الخسيسة، الّتي تكون دوافع الوقوع فيها ضعيفة، وإنّما يفعلها العبد لانتكاس فطرته وميله للمخالفة، ولو لم يكن لها من داع.

ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم:

(لعن الله السّارق يسرق البيضة فتُقطع يده ويسرق الحبل فتُقطع يده) [2] .

فانظر كيف لعن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - سارق البيضة والحبل، لحقارتها فإنّها لا تسمن ولا تغني من جوع، وإنّما يفعلها السّارق لميله إلى المخالفة الّتي أصبحت من صميم خُلُقه [3] بسبب انتكاس فطرته.

كذلك الوقوع في الذّنوب الخسيسة الّتي تأنف منها النّفوس الأبيّة ولو فُرض أنّه لم يأت شرع بتحريمها، كالبخل، والكذب، والغدر والمكر والخيانة والأنانية واللّواط وإتيان المحارم وعقوق الوالدين وغير ذلك ممّا كانت العرب تستنكف عنه لخبثه وخساسته، لأنّ العبد لا يعوزه مثلها ولا يقع فيها إلاّ لدناءة في النّفس، وخساسة في الخلق، فينبغي تعويد النّفس على التّرفّع عنها.

وقد جاء في الصّحيح عن أبي سفيان رضي الله عنه أنّه لمّا سأله هرقل عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - صدق في قوله وقال: (والله لولا الحياء يومئذ أن يأثر أصحابي عنّي الكذب لكذبت ولكنّي استحييت أن يأثروا عنّي الكذب) [4] .

(1) حتّى الجماد ينفر من شبيهه في الشّحنة.!

(2) أخرجه البخاري في الحدود ح6783 ومسلم في الحدود ح1687.

(3) وهذا السّارق لا يُراد به المضطر لأنّ الشّرع أباح للمضطرّ أخذ ما ينجيه من الهلاك إذا لم يستطع الحصول عليه من وجه مباح.

(4) أخرجه البخاري في الجهاد ح2941.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت