فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 74

من الأخطاء الّتي تسرّبت إلينا من ثقافة الصّوفيّة المأخوذة أصلًا من رهبانيّة النّصارى ورياضات البوذيّين وغيرهم، طلب الوصول إلى حالة السّلامة الكاملة من الذّنوب، وهذا محال.

لأنّ جنس الذّنب لا يسلم منه بشر، وكون المؤمن يجعل هذا غايته فهو يطلب المستحيل، إلاّ أن يجعلها غاية مطلوب منه تحقيق أقرب النّتائج إليها.

غير أنّ ذلك لا يكون على حساب نسبة التّقصير في ذلك إلى النّفس ومن ثمّ فقدان الثّقة بها.

إنّ الله تعالى خلق الإنسان في هذه الحياة وجعل له أجلًا يكتسب فيه الصّالحات، فمن قدم على الله بميزان حسنات راجح فهو النّاجي إن شاء الله تعالى، بغضّ النّظر عمّا وقع فيه من السّيّئات إذا كان موحّدًا.

وإنّ النّاظر إلى النّصوص يدرك بجلاء أنّ مراد الله تعالى من العبد ليس مجرّد السّلامة من المخالفة، بل المراد بقاء العلاقة بين العبد وربّه بمعنى: أن يطيعه العبد فيُؤجر، ويذنب فيستغفر، وينعم عليه فيشكر، ويقتّر عليه فيدعوه ويطلب منه، ويضيّق أكثر فيلجأ ويضطر، وهكذا.

ولذلك ورد في بعض الآثار أنّ العبد الصّالح يغفل أو ينسى فيضيّق الله عليه ببلاء، حتّى يسمع صوته بالدّعاء والالتجاء.

وورد أنّ العبد المؤمن يكثر من الذّكر ولا يستغفر فيقدّر الله عليه الذّنب ليسمع صوته في الاستغفار.

وورد أيضًا قوله - صلى الله عليه وسلم:

(لولا أنّكم تذنبون لخلق الله خلقًا يذنبون فيغفر الله لهم) [1] .

ولهذا كان النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - مع سلامته من الذّنوب يكثر من أن يستغفر، إمّا لرؤيته تقصيرًا من نفسه في حقّ ما يرى من نعمة الله عليه، أو لأنّه يرى من نفسه تقصيرًا في الذّكر خصوصًا عندما يدخل الخلاء أو نحو ذلك.

(1) أخرجه مسلم في التّوبة ح 2748.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت