فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 74

وعلى العموم فإنّ المهم أن تكون هذه الحسنة مقارنة للذّنب في جنسه وخطورته، فإذا وقع العبد في صغيرة فعل مقابلها حسنة تقارنها في أهمّيّتها وفضلها، وإذا وقع في كبيرة فعل مقابلها من الحسنات واستكثر منها حتّى يرى من نفسه أنّه غطّى على أثر تلك الكبيرة، مع التّوبة الصّادقة في كلّ مرّة يقع في ذلك الذّنب.

وهذا الأمر نبّه إليه الغزالي رحمه الله تعالى حيث قال: (وأمّا المعاصي فما كان بينه وبين الله تعالى فالتّوبة عنها بالنّدم والتّحسّر عليها، وبأن يحسب مقدارها من حيث الكِبَر ومن حيث المدّة، ويطلب لكلّ معصية منها حسنة تناسبها، فيأتي من الحسنات بمقدار تلك السّيّئات، أخذًا من قوله - صلى الله عليه وسلم:

(اتّق الله حيثما كنت وأتبع السّيّئة الحسنة تمحها) [1] .

ومن قوله تعالى:

{إنّ الحسنات يذهبن السّيّئات} .

والمقصود سلوك الطّريق المضادّة، فإنّ المرض يُعالج بضدّه، فكلّ ظلمة ارتفعت إلى القلب بمعصية فلا يمحوها إلاّ نورٌ يرتفع إليه بحسنة تضادّها، فلذلك ينبغي أن تمحي كلّ سيّئة بحسنة من جنسها لكن تضادّها) [2] .

عن أبي مسعود الأنصاري قال: كنت أضرب غلامًا لي فسمعت من خلفي صوتًا: اعلم أبا مسعود لله أقدرُ عليك منك عليه، فالتفت فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله هو حرٌ لوجه الله، فقال: أما لو لم تفعل لَلَفحتك النار أو لمسّتك النار) [3] .

ومن طريف هذا المعنى، ما ذكره السّبكي في طبقاته عن أبي إبراهيم المزني صاحب الشّافعي إمام الشّافعيّة في عصره: (أنّه كان إذا فاتته صلاة الجماعة صلاّها خمسًا وعشرين مرّة) [4] ، لأنّ صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذّ بخمس وعشرين مرّة.

لا يسلم عبدٌ من جنس المعصية

(1) صحيح الجامع برقم 97.

(2) بتصرّف من إحياء علوم الدّين 4/ 276.

(3) أخرجه مسلم ح1659.

(4) طبقات الشّافعيّة 2/ 94.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت