والمهم أنّه - صلى الله عليه وسلم - يحقّق الإرادة القدسيّة في أن يستمرّ العبد في طلب المغفرة من الله تعالى، كبيان أنّه لا يسلم عبد ما من جنس التّقصير الّذي يوجب طلب المغفرة، إمّا تقصيرًا عن الأكمل في نظرهم كما في حقّ الأنبياء، أو وقوعًا في الذّنب كما في حقّ غيرهم.
ومن الحماقة أن يشغل العبد نفسه بالتّخلّص من ذنب معيّن حتّى يفوته من القربات ما يمحو أثر ذلك الذّنب ولا يكون له معها أيّ تأثير على العبد.
أو حتّى يقع فيما هو أعظم منه من الذّنوب الّتي تؤثّر فعلًا في النّفس وترجّح كفّة ميزان الخسارة على الفلاح، بسبب غفلته عنها ورؤيته لذنب معيّن يكبر في نفسه.
وكلّ ذلك بسبب التّفكير العاطفي والخيالي، والسّعي لبلوغ ما لم يُطلب من العبد بلوغه.
فإنّ البعض يُبتلى بعمل قد يكون شبهة ولم يرتق لأن يكون ذنبًا صريحًا، لكنّ هذا العمل يُعتبر في مجتمعه علامة لغير المتديّن وشعارًا للفسقة، فيشغله هذا الفعل ويعظم في نفسه طلبًا للتّمظهر والشّعاريّة مع أنّه يقع في كبائر صريحة غير أنّها ليست شعارًا ومظهرًا كالغيبة والنّميمة.
أو بسبب الحرص على الكمال والسّلامة من الذّنوب وهو شيء محال، ينبغي أن لا يشغل العبد نفسه به فيقع في الفتور واليأس، إذا ظنّ أنّ هذا غاية التّديّن وهدف الالتزام بالدّين.
وتأمّل معي قوله - صلى الله عليه وسلم: (سدّدوا وقاربوا وأبشروا) [1] فإنّ فيه معنىً لطيفًا يقطع الطّمع على المؤمن أن يبلغ حقيقة التّديّن والقيام بحقوق الله تعالى، بل المطالبة أن يسدّد العبد وأن يقارب فكأنّ الإصابة غير ممكنة، ولكن كلّما كان سهم العبد أقرب إلى الإصابة فهو أقرب للسّلامة، وهذا هو معنى ما ذكرناه فلله الحمد.
وطّن نفسك على التّوبة
(1) رواه البخاري في صحيحه في كتاب الرّقاق باب قول النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - (لو تعلمون ما أعلم) عن أبي هريرة وأنس - رضي الله عنه - ما.