فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 74

إنّك ترى منها نفورًا واشمئزازًا عن الذّنب الّذي تعافه، ولو كان من الصّغائر، وتظنّ أنّك تركته لله، مع أنّك تقع في كبيرة من الكبائر ليل نهار دون شعور بألم أو حسرة، لأنّ نفسك تهواها وتميل إليها، وصدق شيخ الإسلام رحمه الله تعالى إذ قال: (وما أكثر ما تفعل النّفوس ما تهواه ظانّة أنّها تفعله طاعة لله) [1] .

والنّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ذكر هذا، ففي صحيح البخاري عنه - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال:

(إنّ المؤمن يرى ذنوبه كأنّه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإنّ الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرّ على أنفه فقال به هكذا ـ قال أبو شهاب بيده فوق أنفه) [2] .

هذا هو منهج التّعامل عند المؤمن وعند المنافق، دون تمييز بين ذنب وذنب، فالمؤمن في معصيته ناظرٌ إلى مقام ربّه، ومع هذا النّظر يعظم كلّ ذنب ولو صغُر.

والمنافق في معصيته ينظر إلى هوى نفسه من جهة وإلى مراآة الخلق من جهة أخرى، ومع هذا النّظر يصغر كلّ ذنب في عينه ولو كبُر.

قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: (تأمّلت وقوع المعاصي من العصاة فوجدتهم لا يقصدون العصيان وإنّما يقصدون موافقة هواهم، فنظرت في سبب ذلك الإقدام مع العلم بالمخالفة فإذا به ملا حظتهم كرم الخالق وفضله الزّاخر، ولو أنّهم تأمّلوا عظمته وهيبته ما انبسطت كفٌ بمخالفته، فإنّه والله ينبغي أن يُحذر ممّن أقلّ فعله تعميم الخلق بالموت، فليعرض المقدم على الذّنوب على نفسه الحذر ممن قال: {ويحذّركم الله نفسه} وملاحظة أسباب الخوف أدنى إلى الأمن من ملاحظة أسباب الرّجاء فالخائف آخذ بالحزم والرّاجي آخذ بحبل طمع، وقد يخلُف الظّن) [3] .

فالواجب على العبد أن يوطّن نفسه على رقابة الله، وعظمته وأنّ أخذه أليمٌ شديد، وأنّه يمكر بمن يمكر ويراوغ على المعصية، دون خشية لله ولا مراقبة.

(1) الفتاوى 28/ 207.

(2) أخرجه البخاري في الدّعوات ح 6308.

(3) صيد الخاطر ص 193 بتصرّف يسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت