ولكنّنا نريد أن نخاطب أصحاب النّفوس المتمرّدة [1] الّتي تغلي بما فيها من نوازغ العصيان والتّلذّذ بما يسبّب لها العطب من حيث تدري أو لا تدري.
تلك النّفوس الّتي يعاني منها أصحابها، ولهم نوايا صدق وميل إلى الاستقامة والتّديّن، ولكنّ إبليس يدير عليهم رحى الحرب من داخلهم، فيعبث عبثًا خبيثًا بغرائز النّفوس، فيعدها ويمنّيها ويغريها بحلّ قيود الطاعة والانفلات إلى باحات المعصية الواسعة.
وإذا تضاربت رغبات النّفس العنود مع توجّهات العقل الرّاجح، حصل الاضطراب والخلخلة الّتي تصيب المؤمن بحالة عدم اتّزان وترميه في بحر الحيرة بلا مركب.
فإن كان ذا قدرة على السّياسة والمداراة لنفسه جاز محنة الذّنب بسلامة، بل قد ينقلب همّه فرجًا وحزنه فرحًا.
وإن كان ذا حمق وتسرّع أوقع نفسه في التّهلكة وربّما كان تلف نفسه على يديه.
ولعلّي قد أطلت الرّعي حول الحمى، وهذا أوان الولوج، وبالله الإعانة ومنه نستمدّ الّسداد والوفاق.
مع النّفس
هناك مجموعة من الحقائق الّتي تضبط عمليّة سياسة النّفس، قد نحتاج بعضها دون بعض، وقد نحتاجها كلّها، وإنّما هذه القواعد دواء، والبصير أعلم بداء نفسه، وبالدّواء الّذي يعوزه.
ولا بدّ للمؤمن من أن يتذكّر دائمًا أنّ المطلوب منه بذل الجهد والاستطاعة، وأمّا السّداد فمن الله تعالى، وقد يجتهد المؤمن فلا يُوفّق فلا يجعلن ذلك صادًّا له عن الاستمرار، لأنّ عدم التّوفيق مصيبة يمتحن الله بها صدق المؤمن، فإن صبر أفلح وإن تعجّل وملّ وضجر خاب وخسر.
جنس الذّنب عظيم
لا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت.
هذه مقولة السّلف الصّالح رضي الله عنهم، فإنّ جنس الذّنب ينطوي على معانٍ لو قصد العبد بقلبه إليها لكفر بالله العظيم.
(1) {وما أبرّىء نفسي إنّ النّفس لأمّارة بالسّوء} .