إنّ النّفس البشريّة بما أودعه الله فيها من الغرائز والفطر الّتي قد تكون متناقضة أحيانًا، هي هدف إبليس في حربه مع بني البشر، فهو يستغلّ نقاط الضّعف في نفوسنا، ليصل من خلالها إلى أكبر ما يمكن تحقيقه من المكاسب، والكفر هو أعلى ما يتمنّاه من ابن آدم.
وعليه فإنّ الواجب على المؤمن أن يتعلّم كيف يسوس نفسه، وكيف يعلّمها القيام بما عليها من الحقوق، وكيف يعطيها ما قسم الله لها من الحقوق بحيث لا ينسيها مالها ما عليها، ولا يشغلها حظّها من غيرها عن حظّ غيرها منها.
وسياسة النّفس فنٌ فريد تفرّد به سلفنا الصّالح وأبدعوا فيه ونوّعوا، وكلّهم فيه صادرٌ عن بحر لا تكدّره الدّلاء، نبيّهم وقدوتهم محمّد - صلى الله عليه وسلم -.
وإذا كان كلّ ملك وراع وسائس تمرّ به أيّام محن تظهر فيها مقدرته على ضبط الأمور والموازنة بين المصالح والمفاسد، فإنّ من أشدّ حالات المحن الّتي تمرّ بالمؤمن هي لحظات الوقوع في الذّنب، لحظات الضّعف البشري، لحظات الاستعلاء الرّبّاني الّذي أبى إلاّ أن يري النّاس ضعفهم وحاجتهم إليه، إلى مغفرته وإلى رحمته، إلى عين العطف والحنان منه جلّ شأنه.
في تلك اللّحظات العصيبة، تهتزّ موازين النّفس، وتضطرب مقاييسها، وتختلط عليها المفاهيم [1] وتعتم الرّؤية عليها، فتحتاج إلى رؤية ثاقبة وسائس يضع الأمور مواضعها، ويقدّر المصالح والمفاسد، ويزن كلّ خيار بميزان دقيق.
فليست المسألة كما قلنا ربحًا لا خسارة فيه، بل المسألة: (أكبر قدر من الرّبح مع أقلّ مقدار من الخسارة) ، هكذا: تفكير بالعقل أكثر من العاطفة، ففي هذه المواطن نحتاج إلى عقل راجح أكثر من عاطفة جيّاشة، فإنّ العقل هو الّذي يمنع جنوح العاطفة.
وإذا كان لا بدّ للمؤمن من أن يحصّن نفسه من مكر إبليس، فإنّ موضوع هذه الوريقات ليس هو وسائل التّحصّن، فهذا أمر معروف وظاهر، والقول فيه تكرار.
(1) نتكلّم عن نفس المؤمن.