وهذا في الحقيقة هو السّبب الأكبر في وقوع أهل البدع في بدعهم، فإنّ الواحد منهم يسمع نصًّا من القرآن أو السّنّة فيأخذ به هكذا دون فهم لمعناه وحقيقته وتطبيق السّلف له.
فمن يقع في بدعة المولد يستدلّ بالنّصوص الآمرة بحبّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، والّذي ينفي الصّفات يستدلّ بقوله تعالى:
{ليس كمثله شيء} [الشورى:11] .
ولو عرف الأوّل أنّ الصّحابة الّذين هم أكثر النّاس حبًّا له - صلى الله عليه وسلم - لم يحتفلوا قطّ بمولده، لعرف أنّه في احتفاله هذا متزيّدٌ عليه - صلى الله عليه وسلم - مخالفٌ له.
ولو عرف الثّاني أنّ السّلف ومنهم الصّحابة أثبتوا لله الأسماء والصّفات كما وردت، وأنّ إثباتها لا يستلزم تشبيهًا ولا تمثيلًا لعرف أنّه في إنكاره مخالفٌ له - صلى الله عليه وسلم -، وأنّ كلا الفريقين مصدر مخالفته: الجهل بأحكام هذا الدّين وقواعده الشّرعيّة.
الهوى:
كثيرًا ما يكون الهوى والميل لرأيٍ معيّن سببًا في الوقوع في البدعة، فإنّ المقلّدين عادةً ما يخالفون الحقّ ويرغبون في البدعة اتّباعًا لهوى أنفسهم، وتعاميًا عن الحق.
وقد ذكر الله الهوى في مواطن كثيرةٍ، وبين أنّه سببٌ لردّ الحقّ من كثير من النّاس، قال تعالى:
{إن يتّبعون إلاّ الظّنّ وما تهوى الأنفس} [النّجم:23] .
وقال:
{فلا تتّبعوا الهوى أن تعدلوا} [النّساء: 135] .
والهوى قد يكون بسبب الإعجاب بالنّفس أو الكِبر أو المال والرّياسة، وربّما محبّة تقليد شخص معيّن أو مذهب معيّن.
على أنّ تلاعب الشّيطان بابن آدم من خلال هذا الحافز كثيرٌ جدًّا بل وخطير، لأنّه ينطلق من الحبّ المحض للميل عن الحق ولذلك سمّاه الله تعالى إلهًا فقال:
{أفرأيت من اتّخذ إلهه هواه وأضلّه الله على علم} [الجاثية:23] .
مع العدوّ: جولة ثالثة