إن افتراض وجود نصوص، قديمة أو حديثة، تنطوي على (أدبيّة) خالصة يجرّد اللغة، مادة العمل الأساس، من حيوية وظائفها التي تلتقي جميعًا على سطح النص، مثلما يجرّد السرد من سمات أساسية هي سعته وشموله وتعاليه بجملة بارت، على التاريخ، ويحدد حركته باتجاهي النوع والعصر، ليغدو تاريخ السرد بمثل هذا التصور رصدًا لوقائع منتظمة تنتجها نصوص معينة، بينما لا يبدو هذا التاريخ في حقيقته غير"توسيع وتعقيد وقلب لقوانين أساسية قليلة من قوانين البنية الأدبية" [1] ، وهو مالا (ينوجد) على نحو منفرد أو صاف يطل من عليائه على النصوص والأزمان، إنه بجملة أخرى، صورة العصر ومزاجه وقد أنتجتهما شعريّة خاصة لا تنفلت خارج مدار زمنها ولا تترفع عن سياقاتها، بل تشكّل صيرورتها بما تقترحه من صلة مع عصور إنتاجها، من هنا يكون الحديث عن (أدبيّة) النص السردي معقولًا إذا ما أنتظم ضمن محددات العصر والسياق، إن النص يُدرك عندئذ لا بوصفه جزيرة منقطعة، بل بما يؤمِّنه من كشف لإمكانات لغة معينة وهي تُضاء مع كل تآليف جديدة بنور العقل وقدرته، لتسهم الدراسة السردّية في سعيها لمعالجة النص القديم في الانفتاح -على وفق مقتضيات النص المدروس وأهمية موقعه -على مهمة إنتاجه التي تشترك فيها روافد متعددة، إنها تنتج عندئذ معرفتها الفكرية الخاصة أو تهدف في الأقل إلى التوصل إلى مثل تلك المعرفة [2] من خلال إنتاج رؤيتها للنص: في رصد فاعليته، وتبيّن موقعه، وإدراك أهمية ما يثيره من أسئلة وما ينطوي عليه من احتمالات الفهم والتفسير، لتتجلى رؤية الدراسة السرديّة بوصفها"خلاصة الفهم الشامل للفعالية الإبداعيّة في نواحي النسج والبنية والدلالة والوظيفة" [3] .
(1) -والاس مارتن، نظريات السرد الحديثة، ترجمة د. حياة جاسم محمد: 61.
(2) -ينظر: رينيه ويليك، مفاهيم نقدية، ترجمة د. محمد عصفور: 10.
(3) -عبد الله إبراهيم، المتخيّل السردي: 5.