وفي المثل الثاني يُلاحظ توجّه (أبي عبيد) لرواية (المفضّل الضّبيّ) على نحو مباشر بما ينظم استهلالًا مكوّنًا من صيغة المثل زائدًا مصدر روايته (عند النوى يكذبك الصادق، وكان المفضّل يخبر بحديثه أن رجلًا..) [1] ، مغيّرًا تبعًا لنظامه من حدود تعامله مع ما يُروى، فصيغة الاستهلال في نص مثل (المفضّل الضّبيّ) تفتح مجالًا واسعًا، يكاد يكون غير منظور لقصته يُعمّق من زمن التجربة، ويمدُّ سلسلة رواتها (زعموا أن رجلًا مضى في الدهر الأول كان له عبد..) في الوقت الذي يحدد نظام استهلال (أبي عبيد) مجال روايته بـ (المفضّل) ويقصر من عمق تجربتها بحديثه، فالاستهلال، خلاصةً، يتحدد في استجابته لتقاليد الإسناد في الخبر بطريقتين، تعتمد الأولى نظامًا تقترحه صيغة (زعموا أن) وتحافظ عليه، بما يميّز بنيتيها النحويّة والدلاليّة من انفتاح، وتتشكل الثانية تبعًا لاستجابتها لموجّهات عصريّة تتمثل بالعناية بالدرس اللغوي، بما يتطلّب التركيز على بنية تصديق (قال، حدَّث، ذكر) أو عبر النقل المباشر باعتماد صيغة المثل نفسها استهلالًا للنص.
الفصل والوصل:
(1) -أبو عبيد بن سلام، كتاب الأمثال: 56، والمضل الضبي، أمثال العرب: 163.